الأحد، 15 يوليو 2012

نحو منهج نقدي , الجزء 6 , التطبيقي على الشعر القديم والمعاصر



الاستقراء قبل الانتقاء



.1 سكوت الشعراء مع نزول القرآن الكريم:

          .1.1 القرآن ونقض العادة

          حصل أن قمنا على نحو استقرائي بقراءة، وتأمل، وتحليل أغلب التجارب الشعرية الهامة قديما، وحديثا، وبذا، ها نحن سنبدأ في الإجابة عن السؤال السابق: لماذا الكميت، وأبو تمام، وامرؤ القيس وأدونيس شعراء مختلفون دون البقية من الأعلام الشعرية التي ملئت السمع، والبصر عبر العصور بإنجازاتها؟ لكن، قبل الإجابة، ولو أن ما سنقوله إيجازا يدخل كمقدمة، ينبغي أن نشير إلى أن الشعراء بعد نزول القرآن الكريم، ومنهم حسان بن ثابت، كانوا قد سكتوا لأسباب متعددة كثر الخوض فيها في كل العصور، على اعتبار ما كان قد طرأ على الشعراء من دهشة وفتون حد الذهول، بعد سماعهم للقرآن الكريم، كإعجاز في اللغة العربية الشاعرة بنقضه للعادة -حسب الجرجاني، مما يتضاءل أمامه الشعر من حيث لم يعد يفهم الشعراء الشعر، لا كما ذهب شوقي ضيف، بإرجاع السبب إلى موت الفحول من الشعراء( )، وإن قالوه (أي الشعر) فعلى وجه غير ناضج، إذ لم يتمكنوا بعد، من هضم، واستيعاب النص القرآني الكريم كقطيعة، علاوة على انعدام الاستعداد لديهم، لأسباب وأخرى، للإفادة من القرآن الكريم، في بناء القصيدة الشعرية الجديدة إلا من باب الاستعانة ببعض الكلمات: كالرسول، الجنة، النار، الإسلام، جبريل، القرآن، الجزاء، حنيف...، على النحو الذي ذهب فيه حسان بن ثابت في همزيته المشهورة التي يقول منها:

وجبريل أمين الله فينا                    وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله: قد أرسلت عبدا    يقول الحق إن نفع البلاء

فمن يهجو رسول الله منكم  ويمدحه وينصره سواء

فإن أبى ووالده وعرضي                لعرض محمد منكم وفاء( )

أو كعب بن زهير في لاميته المشهورة، والتي يقول فيها:

إن الرسول لنور يستضاء به                       مهند من سيف الله مسلول

في عصبة من قريش قال قائلهم                    ببطن مكة لما أسلموا زولوا( )

          .2.1 الإخلاص للطريقة القديمة عند البناء

          وفي الوقت الذي لم يخرج الشاعران عن الطريقة التقليدية في بناء القصيدة الجاهلية، من مقدمة (استهلال)، وموضوع، وخاتمة، علاوة على الطريقة، احتذاء، بالنموذج الجاهلي المعروف.

          وما لهذين الشاعرين، ينسحب على بقية الشعراء المخضرمين، فالأمويين في شخص كل من: الفرزدق، وجرير، والأخطل، اللهم فيما يتعلق ببعض الأمور الشكلية، من حيث قصر أغلب تجاربهم على الهجاء، والهجاء السياسي، أو المدح، والمدح السياسي، والاهتداء أحيانا إلى التجربة دون خوضها على نحو واقعي، بإعادة صياغتها بالمفهوم الإيجابي للسرقة الشعرية، وذلك بصياغة جديدة وفذة عند الأداء...، أو اغتصابها جهارا "كفعل جرير بقول سويد بن كراع العكلي:

وما بات قوم ضامنين لنا دما               فنوفيها إلا دماء شوافع

فإنه نقل البيت إلى قصيدة له، فلما أنشدها نبه عليه عمر بن نجاء التيمي، وكان أحد الأسباب التي هاجت الشر بينهما، وفعل الفرزدق إذ سمع جميلا ينشد:

                      ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

                                                          وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فقال: أنا أحق بهذا البيت فأخذه غصبا( ).

          حدث ذلك على الرغم من شهادة النقاد لهما بالفحولة، بالإضافة إلى ما تفصح عنه تجربتاهما الشعريتان الكبيرتان دون بقية الشعراء في عصرهما، وإن كان ثمة شعراء كعمر بن أبي ربيعة، وجميل وغيرهما من العذريين الذين تميزوا بخوضهم تجارب وجدانية، حقيقية، قوية وعارمة، الأمر الذي ساعدهم على البلوغ بالقصيدة الذروة من الشاعرية، بالإضافة إلى تميزهم بنفس شعري جديد، إزاء شعراء النقائض: الفرزدق وثانييه، كانوا قد التقوا متقاطعين عنده، واشتركوا اختلاطا فيه، على نحو مشابه -مع الفارق- لجماعة أبولو، في الشعرية العربية المعاصرة، مما لا جديد ثمة سوى ما كان قد سبق لنا أن أشرنا إليه حتى أواخر العصر الأموي، وإلى أن يظهر شاعر اسمه الكميت بن زيد الأسدي (ت126) كصوت شعري مختلف حد القطيعة، مما يمكن معه اعتبار تجربة هذا الشاعر مفصلا رئيسا في جسد القصيدة الشعرية العربية برمتها، لا مجال لتجاهله، وإن حصل أن مارست أغلب، إن لم يكن، كل الشعريات العربية على هذا الشاعر نوعا من الحجب، والنسيان بالمفهوم الذي ذهب إليه محمد بنيس( )، في تحديده للأول بمعنى ستر خطاب بخطاب، وللثاني بتجاهل الأسبق من حيث ادعاء المتأخر الأولية على وجه الإحداث ابتداء، لأسباب -لا نجهلها- عقائدية أو مذهبية سياسية، في الوقت الذي لا علاقة للإبداع والمبدع على السواء بذلك، وإن كانت ثقافتنا العربية كلها -للأسف- مليئة بهذه الممارسات على نحو فاضح. فكم من شاعر مات دون أن يبلغ شعره، تجاوزا، حدود الأصدقاء، إن لم يكن أكثر من ذلك، بإحراق إبداعاته قبل أن تتجاوزه، إذ لا سر بين ثلاثة. وكم من شاعر توفي قبل أن يشتهر، ويفرح من ثم بشهرته. وكم من تجارب اندثرت، وعجائب اغتصبت، وملامح قنعت، وكنوز دفنت، حتى أراد الله لها أن تظهر بظهور الباحثين الأعلام، مثلما حصل -وقد سبق لنا أن أشرنا إليه- للعقاد مع ابن الرومي، أو طه حسين مع المعري، أو محمود محمد شاكر مع المتنبي، أو الدكتور زكي مبارك مع الشريف الرضي، أو أدونيس مع أبي نواس، بالإضافة إلى الحلاج وغيره من المتصوفة، أو محمد بنيس مع الشابي، أو المقالح مع علي أحمد باكثير، أو الشامي مع الشاعر الحسن بن جابر الهبل، أو عبد المجيد زراقط وغيره مع الكميت بن زيد الأسدي...

          وإن لسان حالنا يقول بصدد هذا الموضوع أنه، على حد تعبير جوته، في كتابه العظيم الديوان الشرقي للمؤلف الغربي بخصوص الأدب الفارسي "إذا كنا قد تجاسرنا على أن نرسم بخطوط قليلة خمسمائة سنة من الشعر والبلاغة الفارسيين، فإننا نرجو من أصدقائنا، على حد تعبير كونتليان شيخنا القديم، أن يتقبلوا هذا الموجز تقبل الناس للأعداد المستديرة، لا من أجل الحصول على تحديد دقيق، من أجل التعبير عن حقيقة عامة على نحو مبسط تقريبـي".

.2 الاختلاف من الدرجة الأولى - الشعراء المركزيون

          .1.2 امرؤ القيس - القطيعة الأولى في تاريخ الشعرية العربية

          حسب هارولد بلوم صاحب نظرية قلق التأثر Anxiety, of Influence، فإن امرأ القيس في الثقافة العربية لا ينسحب عليه هذا القلق كون الشعراء السابقين عليه لم يكونوا أقوياء بالدرجة نفسها التي هو عليها، لذلك حق له أن يشكل، بقصائده، قطيعة مع السائد، في طرقه المغاير للمألوف، في الكثير من المعاني، بالكثير من المغاير للمألوف من التعابير، فمنها: استيقافه الصحب، والبكاء في أطلال الديار، ومنها: رقة الغزل، ولطف النسيب، والفصل بينهما وبين المعنى المراد، ومنها: قرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء، وبالبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان، وبالعصي، وجعلها قيد الأوابد، إلى غير ذلك مما طرقه من الأغراض، وما ابتدعه من المعاني( ).

          علاوة على موهبته الثرة، وروحه الوثابة والمتوقدة، كشاعر أصيل، الأمر الذي معه صار، مقلدا، بتأسيسه على وجه الابتداء لمذهب شعري جديد، بالإضافة إلى احتفاظه، عبر ما وصلنا من شعره، بإيقاعه الشخصي. نقول: الأمر الذي معه صار مقلدا من طرف الكثير من الشعراء المجايلين له، أو اللاحقين عليه على حد سواء، الأمر الذي صار معه امرؤ القيس عبئا ثقيلا على الشعراء في أن يتجاوزوه، حتى وإن كانوا من طراز الفرزدق، في العصر الأموي (بعد نزول القرآن الكريم الذي كان له أكبر الأثر في إثراء -من المفترض- مواهب الشعراء وتقويتها، وقد حصل أن أفاد الشعراء منه حد نجاح بعضهم في إحداث قطيعة جديدة، مثلما هو حال الشاعر الكميت بن زيد الأسدي). يقول الفرزدق -في هذا السياق- بعد سماعه لواحد من الشعراء الذين كان قد أنشده قصيدة بغرض إجازته: "إن الشعر كان جملا بازلا عظيما فأخذ امرؤ القيس رأسه"( ).



          .2.2 الكميت بن زيد الأسدي كقطيعة إيديولوجية وفنية( )

          .1.2.2 ممارسة الحجاب

          يقول عبد المجيد زراقط -من حيث نكتفي هنا بما أورده، بهذا الصدد، نظرا لما تقتضيه الضرورة في الإيجاز: "في أونة من التاريخ العربي عرفت نشوء الأحزاب السياسية (أواخر العصر الأموي) ازدهرت الخطابة، وسادت، وطغت على الشعر، فاتصف بعض منه بخصائصها؛ الأمر الذي أدى إلى تطور شعري طال بنية النص والعبارة، وكون مفهوما للشعر جديدا ينشط أصحابه: إبداعا وتنظيرا، مستفيدين من مختلف علوم عصرهم ليحرزوا التأثير والإقناع وكسب الأنصار. في تلك الآونة من الزمن ارتفع صوت شعري متميز هو صوت الكميت بن زيد الأسدي (ت126هـ). كان هذا الشاعر داعية من دعاة المعارضة، اختلفت طبيعة تجربته، فاختلف الشعر الذي يجسدها، وقد أثمرت تجربته الخاصة: الحياتية والشعرية نتاجا شعريا جديدا تمتزج فيه إرادة اصطياد اللفظ الغريب ونثره في الطللية التي جعلت في خاتمة القصيدة، لا في أولها، كما درجت العادة، بالجدل السياسي المستند إلى براهين منطقية، باعتماد وسائل تأثير لغوية-موسيقية/بيانية، تستخدم الخطابة بعضها. وقد تحقق لهذا الشعر نوع من الوحدة الموضوعية المتماسكة يختلف عن وحدة جريان الومضات/اللمح المتتالية التي عرفها معظم الشعر العربي المعاصر له(...) لفتت ظاهرة شعر الكميت أنظار الشعراء الآخرين، وأدركوا تميزه، يشاركهم في ذلك النقاد والمتذوقون، فقال بعضهم فيه أقوالا يستدل منها أنهم لاحظوا خصائص تميز هذا الشعر من الشعر الذي كانوا يألفونه. قرأ بشار بن برد (167هـ) شعر الكميت، وانتهى إلى حكم هو: "الكميت خطيب وليس بشاعر(...) وكان الخشاف (الراوية الناقد) أكثر دقة وأشد احتياطا، إذ اكتفى بملاحظة خروج الكميت على السائد من الشعر، فقال: "إن الكميت تكلم بلغة غير لغة قومه". هناك تحول في المسار الشعري. هذه هي القضية. وقد أدرك بشار طبيعة هذا التحول وحددها، وألمح الخشاف إلى الاختلاف التام والجدة، وأشار إلى تكون اتجاه شعري جديد يمتلك لغة متميزة سوى لغة ما هو سائد/لغة قومه. وبين، في قول آخر، وجود اتجاهين شعريين يجوز عند أحدهما ما لا يجوز عند الآخر، فقال لأبي تمام، واصفا شعر الكميت: "لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم". ما يلفت، في هذا القول، دقته وموضوعيته، وإقراره بالاختلاف(...) إن الخشاف يرتضى ما يقوله الكميت ويعده شعرا مختلفا، يخرج عما هو سائد، وإن كان لا يجيزه ولا يستحسنه، أما بشار فنفى عنه صفة الشعر وعده خطابة لتميزه بخصائص منها: وحدة موضوعية تكاد تخضع لخطة بحث متماسكة. توافر التسلسل المنطقي والجدل العقلي ومختلف وسائل التأثير والإقناع التي تستخدمها الخطابة..."( ).

          .2.2.2 الاختلاف بحث لا معطى

          وهو ما حدث، ويحدث مع أي تجربة شعرية مختلفة، من حيث اختلاف آراء الناس حولها، بخرقها للسائد والمألوف، مما هو موجود، مثلما حدث لبشار، لأنه كان بصدد التأسيس لاتجاه شعري جديد، لم يتبلور على وجه الاختلاف إلا مع أبي تمام، إذ كان بشار كما يقول الشاعريون "أستاذ المحدثين.. من بحره اغترفوا وأثره اقتفوا"( )، الأمر الذي دفعه بوعي منه، أو بغير وعي، على نحو غير عامد، إلى ممارسة الحجاب( ) تجاه هذه التجربة الخطيرة (تجربة الكميت)، من حيث أنها اختلاف محض. هذا الأخير ليس معطى، لكنه بحث. ليس سيلا، لكنه صراع في اللغة الشاعرة تحديدا، قبل أي شيء( ). والخلاصة بشأن هذا الشاعر أنه أحدث قطيعة. ومادامت القطيعة أنواع، نحددها: كقطيعة إيديولوجية -فنية، يقول شوقي ضيف، في هذا المعنى: "ليس الكميت إذن من ذوق شعراء عصره الذين وزعوا أنفسهم على المدح والهجاء والفخر على نحو ما نرى عند الفرزدق مثلا، بل هو شاعر يقصر نفسه وشعره على نظام فكري معين. وهذا ما جعلنا نقول منذ السطور الأولى في حديثنا عنه أنه شخصية طريفة بين شعراء عصره، إذ أخرج الشعر من أبوابه القديمة إلى باب جديد هو باب التقرير والاحتجاج للعلويين والدفاع عنهم. ولاحظ القدماء ذلك في صور مختلفة، فقال الجاحظ أن الكميت أول من دل الشيعة على طرق الاحتجاج، وقال آخرون إن الكميت خطيب لا شاعر، وسئل عنه بشار فقال إنه ليس بشاعر: كل ذلك لأنهم رأوه ينظم هاشمياته بطريقة جديدة ليست هي الطريقة المألوفة عند الشعراء"( ).

          .3.2 أبو تمام كقطيعة معرفية (796-843)

          .1.3.2 البديع: بديع أبي تمام

          وإذا كان بشار بن برد قد نظر، على نحو غير عامد، إلى تجربة الكميت على أنها ليس فيها من الشعر شيء، لانشغاله -كما سبق لنا التعليل- بالمذهب الجديد في الشعر، الذي أرسى قواعده -على حد بعض الشاعريين، مما دفعه إلى أن يمارس الحجاب بطريقة، أو بأخرى، على الكميت كشاعر قطيعة، فقد حدث لأبي تمام -على اعتبار أن هذا الأخير هو الذي كان قد جسد الصياغة الأولية، عند بشار لمذهب شعري جديد، بمشروع شعري ضخم بعد أن تبلور، ونضج حد القطيعة على يديه فيما بعد-، أن مورس ضده الحجاب هو أيضا، لا لأنه، كما يذهب محمد مندور محللا ذلك كنتيجة( ) "لاتخاذه من البديع مذهبا بما يجر إليه مذهب كهذا من التكلف والإحالة والاسراف والإغراب في المعاني المألوفة، وكان من نتيجة ذلك أن رأينا ابن المعتز يؤلف كتابا ليثبت أن أصحاب البديع لم يأتوا بجديد وإنما أسرفوا فيما كان يقع عليه القدماء بطبعهم الأصيل دون صنعة ولا تكلف. وبهذا الرأي قال كافة النقاد. فأخذوا يبحثون في الشعر القديم عن أمثال لما قال أبو تمام، بعضهم لبعض منه متهما إياه إما بالسرقة وإما بإفساد التراث الموروث، والبعض الآخر ليشيد به مدعيا أنه قد بذ القدماء في معانيهم وفي العبارة عن تلك المعاني، مع تسليم الكل بأنه لم يخرج عن الدائرة التقليدية"( ) فحسب، وإنما لأنه، كما يقول محمد مندور في موضع آخر -وهو الأصح- "الذي قد هز العقول في عصره، وأثار من حوله ضجة كبيرة، إذ خرج على مألوف العرب في الصياغة وفي التماس المعاني التي تعبر عما يريد قوله"( ) بلغة شعرية بعيدة "من معطيات الحواس المباشرة"( ) "في عالم المجردات"( ). يقول الصولي "وليس أحد من الشعراء - أعزك الله - يعمل المعاني ويخترعها ويتكئ على نفسه فيها أكثر من أبي تمام، ومتى أخذ معنى زاد عليه ووشحه ببديعه وأتم معناه فكان أحق به"( ). من حيث نسب البديع كشكل، علاوة على المعاني، إلى أبي تمام دون غيره، وهو ما أحدث القطيعة الثالثة في الثقافة العربية القديمة بامتياز.

          .4.2 أدونيس نحو قطيعة مفهومية للشعر

          نستطيع القول، بشأن أدونيس، أنه الشاعر الرابع -بعد أبي تمام تحديدا- الذي تحققت على يديه، القطيعة الرابعة، وذلك من خلال إنجازاته النقدية والتنظيرية بدءا بـ"محاولة في تعريف الشعر الحديث" في مجلة شعر، العدد 11، السنة الثالثة، صيف 1959( ). وأعيد نشرها ضمن كتابه: زمن الشعر، الصادر عن دار العودة، بيروت، 1978، الدراسة التي عدها، فيما بعد، محمد بنيس إعلانا عن مكان، حيث تواجد فيه أدونيس، "تشتغل الزوابع في تكوينه. إنه وهج الابتداء الذي لا يشيخ(...) فيما دراساته اللاحقة تترسخ على الدوام في الزوابع وصيروراتها حتى تبلغ حد هدم ذاتها"( )، وهو يعني بذلك خطورة طروحاتها. فقد أحدث بها أدونيس قطيعة جديدة في تاريخ الشعرية العربية المعاصرة، لنا أن نسمها بالقطيعة المفهومية، إذ أن "أولى القضايا التي يصدر عنها مفهوم أدونيس للشعر المعاصر هو أن الشعر رؤيا(...) والصدور عن الرؤيا يجعل الشعر يتخلى عن الحادثة. ولذلك فهو يبطل أن يكون شعر وقائع. وتتقدم الدراسة في تبيين دلالة الإبطال لتصل إلى القطيعة بين القديم والحديث بخصوص أسبقية المعنى على البناء النصي..."( ).

          وبنظرة سريعة في الدراسات التنظيرية، التي تضمنتها أغلب كتب أدونيس، تتضح الرؤية بهذا الصدد. لا لأن أدونيس كان سباقا في طرحها، هذا على افتراض أن السياب هو أيضا، وغيره من الشعراء المعاصرين لأدونيس، أو السابقين عليه كجبران مثلا، ولكن لأن أدونيس ينسحب عليه ما يقال بشأن أبي تمام مثلا، من حيث أن هذا الأخير "لم يفعل أكثر من أن يلتقط بموهبته الفنية الأصيلة هذه الروح [روح العصر]، وأن يكون البؤرة التي تتجمع فيها تجارب السابقين"( ).

          فأدونيس بعودته إلى جبران، على أساس أن هذا الأخير، "أهم ولربما أول من انقاد نحو الرؤيا في الشعر العربي الحديث"( ). من جهة، واستيعابه لتنظيرات زملائه الشعراء المجايلين له كسعيد عقل، ويوسف الخال، ونازك الملائكة، وقبل ذلك طروحات الرومانسيين العرب، بالإضافة إلى الرمزية الغربية، تثاقفا، الأمر الذي قاده إلى قراءة التجارب الاستثنائية في الثقافة العربية القديمة، كعبور ناجح، مما صار معه أدونيس المركز الذي وجدت بوجوده القطيعة في الشعر المعاصر كمفهوم بامتياز. مما يحسب لأدونيس فيما لا ينازعه أحد من الشعراء الكبار هذه المركزية، خصوصا وقد استطاع أن يجسد ذلك شعرا، مما مهد له الأحقية في الامتياز، بتأسيس كتابة جديدة( ) على وجه القطيعة مع السائد على الأقل، في وجود الشعراء الكبار من جيله كالسياب، والبياتي، ودرويش، ونزار وغيرهم، وذلك على النحو الذي حصل مع امرئ القيس في العصر الجاهلي، أو الكميت، أو أبي تمام، عبر العصور.







.3 الشعراء والاختلاف من الدرجة الثانية

          .1.3 الحطيئة والقصة القصيرة في الشعر

          وما دون هؤلاء الشعراء الأربعة: (امرؤ القيس، الكميت، أبو تمام، أدونيس) على امتداد الثقافة العربية برمتها، الذين تميزوا دون سواهم بما أحدثوه من قطيعة، مؤسسين بذلك لاتجاه شعري، ونقدي جديدين، وهو ما أمكن لنا إدراجه ضمن الاختلاف من الدرجة الأولى، في حين أن الاختلاف من الدرجة الثانية -استقراء- هو ما تعلق، مقتصرا، على الجانب الشكلي من القصيدة، كما حصل مع امرؤ القيس مثلا، بشأن ما ذهب إليه النقاد من أنه "أول من فتح الشعر، واستوقف، وبكى الدمن ما فيها"( ) في العصر الجاهلي، أو ما يتعلق، عند الحطيئة، بالقصيدة/القصة في العصر الإسلامي، كما تجسد ذلك، بامتياز، قصيدته الميمية التالية، التي نتعمد إثباتها كاملة هنا لأهميتها. وكم كنا نتمنى لو أن الشاعر الحطيئة أكثر من مثل هذا النوع من القصائد، ما كان سيمنحه الاختلاف من الدرجة الأولى، وهو ما يمكن أن يكون اختلافا تجاه السائد، في ذلك الوقت، من حيث لم نجد له سابق مثيل، لأي شاعر من قبله، أو من بعده سوى ما سجله الفرزدق في قصيدته النونية الوحيدة، أيضا، مع الذئب، بالإضافة إلى البحتري، هو أيضا، في قصيدته الدالية. وغير هاذين النموذجين اللذين كانا امتدادا لنموذج الحطيئة الأبرز، من حيث توفر كل أركان القصة: من مقدمة، فالعقدة، فالخاتمة المنطقية، علاوة على ما تتوفر عليه التجربة من جمال في الحوار، والسرد، والتصوير. يقول الحطيئة:

1.       وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل

                                              بتيهاء لم يعرف بها ساكن رسما

2.       أخي جفوة فيه من الإنس وحشة

                                              يرى البؤس فيها من شراسته نعمى

3.       وأفرد في شعب عجوزا إزاءها

                                              ثلاثة أشباح تخالهم بهما

4.       رأى شبحا وسط الظلام فراعه

                                              فلما بدا ضيفا تشمر واهتما

5.       وقال: هيا رباه ضيف ولا قرى

                                              بحقك لا تحرمه تا الليلة اللحما

6.       وقال ابنه: لما رآه بحيرة:

                                              أيا أبت اذبحني ويسر له طعما

7.       ولا تعتذر بالعدم عل الذي طرا

                                              يظن لنا مالا فيوسعنا ذما

8.       فروى قليلا ثم أحجم برهة

                                              وإن هو لم يذبح فتاه فقد هما

9.       فبيناهما عنت على البعد عانة

                                              قد انتظمت من خلف مسحلها نظما

10.    عطاشا تريد الماء فانساب نحوها

                                              على أنه منها إلى دمها أظما

11.    فأمهلها حتى تروت عطاشها

                                              فأرسل فيها من كنانته سهما

12.    فخرت نحوص ذات جحش سمينة

                                              قد اكتنـزت لحما وقد طبقت شحما

13.    فيا بشره إذ جرها نحو قومه

                                              ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمى

14.    فباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم

                                              وما غرموا غرما وقد غنموا غنما

15.    وبات أبوهم من بشاشته أبا

                                  لضيفهم والأم من بشرها أما( )(*)

والواضح أن الحطيئة كان في ذهنه، أثناء كتابته لهذه التجربة، قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل عليهما السلام في القرآن الكريم. ذلك ما تفضي به التجربة، بدءا بالبيت السادس، حتى البيت التاسع منها، ليس هنا مكانه. لكن يبقى سؤال: لماذا أهمل الحطيئة، ومن بعده الشاعران الفرزدق والبحتري، هذا النوع من التجارب، بعد الإكثار منها؟



          .2.3 العذريون ووحدة الموضوع

          نترك السؤال معلقا، إذ ليس هنا مكانه، لننتقل إلى العصر الأموي، لا في النماذج التي قدمها فحوله المشهورون كجرير، والفرزدق، والأخطل، على اعتبار أن هؤلاء يمثلون الطبقة الأولى -حسب تصنيف ابن سلام الجمحي، بل إلى من أحدثوا اختلافا، عددناه من الدرجة الثانية، كانوا قد اجترحوه في الشكل، عندما قادتهم تجاربهم إلى تطوير "الشعر العربي في ذلك العصر من حيث بناء القصيدة العام، ومن حيث لغتها وصورهما الشعرية. أما بناء القصيدة فقد أصبح تعبيرا متكاملا عن تجربة شعورية تقتضي وحدة بين أجزاء القصيدة حتى ليمكن في كثير من الأحيان أن تضعها تحت عنوان خاص يلخص طبيعة تجربتها كما يفعل شعراؤنا المعاصرون، وكما فعل بعض من حقق دواوين هؤلاء العذريين أنفسهم في عصرنا الحديث. ولم يكن هذا -بالطبع- شيئا جديدا كل الجدة على الشعر العربي، لكنه بما اتخذ من وضع الظاهرة المطردة كان مخالفا لطبيعة القصيدة القديمة، بوجه عام"( ). إن ذلك ما أمكن لنا رصده، على نحو الاختلاف من الدرجة الثانية، لدى الشعراء العذريين دون سواهم، ولعل الذي ساعدهم في ذلك هو مرورهم بتجارب حقيقية، مكنتهم من التركيز على وحدة الموضوع، إذ لا يهمهم -في أتون التجربة- تقاليد بناء القصيدة القديم، الذي حافظ عليه، منذ عصور، الشعراء الكبار كتقليد، لا يمكن تجاوزه إلا في القليل النادر، فالشاعر يبدأ قصيدته شكلا بـ:

1.       الوقوف على الأطلال،

2.       ثم ذكر أهلها، ولهذا ينتقل إلى الغزل،

3.       ثم ينتقل إلى وصف رحلته،

4.       فالغرض الأصلي مدحا أكان أم هجاء، أم اعتذارا، وهكذا.

5.       فالخاتمة، بشيء من أبيات الحكمة يلخص فيها الشاعر تجربته الشخصية.

          .3.3 أبو نواس وحذف المقدمة الطللية

          وهو ما سوف يدفع -في العصر العباسي الأول- أبا نواس إلى إعلان دعوته التجديدية، بالتخلي صراحة عن هذه التقاليد على نحو ساخر، بالمعنى الذي ذهب إليه كثير من النقاد، ومنهم محمد مندور، إذ أرجع منطلق أبي نواس إلى "الروح الشعوبية"( ) التي كانت دعوته مشبوبة بها، لعدة أسباب منها: عقدة النسب، إن لم تكن أهمها( ).

          إلا أنه يمكن تحليلها، معنا، بأسلوبها التهكمي، بما عناه محمد بنيس في كتابه حداثة السؤال بـ "نقد المتعاليات "، حيث يقول: "إن المتعاليات، كمجال معرفي، تعتمد قناعة أساسا، وهي أن الإنسان موجود بغيره لا بنفسه، شبح عابر في دنياه، صورة لمثال، مصيره فوقه لا بين يديه، تغطيه السماء بحنينها مرة، وتحتفظ له بالظلمات بالردع، هنا أو هناك. هذه المتعاليات، كمنظومة معرفية، تغلف التاريخ، تنفذ إلى مجالات معرفتنا التي توارثناها، وما ترسخها في الشعر العربي عابرا، ولا في سلوكنا طارئا. والنقد حين يختار المتعاليات يتوجه إلى الجذر"( ).

          وبالرغم من ذلك، فإن دعوته، برمتها، لم تكن من الخطورة في شيء، لأن صاحبها هدف بها الشكل، من حيث لم "[يدع] إلى نوع جديد من الشعر"( ). نقول هذا، بعيدا عن الموضوعات التي طرقها الشاعر نفسه بالمعنى الذي، بالإضافة إلى الخروج على عمود الشعر العربي، "تمثل اجتماعيا، في رفض القيم السائدة أو على الأقل، إعادة النظر فيها"( )، بالسخرية التي "تناولت كل شيء، حتى القيم الدينية"( )، وهو ما لم يستمر فيه أبو نواس إلى النهاية، مما لا يمكن لنا معه سوى احتساب دعوته كاختلاف من الدرجة الثانية، لثبوت أهميتها في عصرها، علاوة على تمهيدها لتجارب شعرية فيما بعد من العصور.

          .4.3 أبو العلاء المعري ولزوم ما لا يلزم

          وفي العصر العباسي الثاني يواجهنا أبو العلاء المعري باختلاف شكلي آخر، يتعلق، هذه المرة، بالقافية، من خلال ديوانه الثاني: "لزوم ما لا يلزم"، منطلقا، كما في مقدمته لها، من علم القوافي ،واستئناسا بشواهد شعرية مبثوتة هنا وهناك، وفي عصور مختلفة، مما يندرج ضمن الشكل، لا الجوهر، في القصيدة. يقول أبو العلاء، في مقدمته اللزوميات: "جمعت ذلك كله في كتاب لقبته: "لزوم ما لا يلزم" ومعنى هذا اللقب أن القافية تلزم لها لوازم لا يفتقر إليها حشو البيت، ولها أسماء تعرف، سأذكر منها شيئا مخافة أن يقع هذا الكتاب إلى قليل المعرفة بتلك الأسماء، والذي سماه المتقدمون من لوازم القافية، خمسة أحرف وست حركات. فالأحرف: الروي والردف والتأسيس والوصل، والخروج..." ( ). وإلى أن يأتي أحمد شوقي، فيما سمي بعصر النهضة، لم يكن لنا، مع عصور الانحطاط، سوى ما عبر عنه أدونيس، من أن لا جديد في الشعر، سوى ما كان على نحو القيمة التي "تكمن في كونه يشهد على إرادة الاستمرار في الصراخ الشعري ضد الموت الذي كان يتقدم ليغمر كل شيء من هنا كذلك تبدو هذه المرحلة كأنها مرحلة تفسيخ لما نسجه شعراؤنا القدامى المبدعون، ونهب لإرثهم. الشعر هنا أخذ متواصل بلا عطاء، وقد تراكم هذا الأخذ وصار حاضرا في النفوس والعقول والأذواق، بحيث حجب ضوء الشعر الحقيقي، وبدت هذه المرحلة الطويلة إطارا فارغا أو دهليزا كبيرا يمتلئ بالأصداء والأنقاض"( ).

          وإن كان ثمة من وجد من الشعراء هناك، وهنا، في المركز والمحيط الشعريين، أمثال ابن زيدون، بقرطبة في الأندلس (1071-1003م)، أو الطغرائي (515-453هـ) بأصبهان، أو ابن زريق البغدادي في بغداد. وقد توفي هذا الأخير بالأندلس، في زمن أبي الخيبر عبد الرحمن الأندلسي بعد أن قصده من بغداد لفاقة علته، فلم يجد ما كان مؤملا، فمات غما بغربته، وعند رأسه رقعة مكتوبة فيها قصيدته الخالدة: "لا تعذليه"( ). وفي اليمن وجد شاعر كبير اسمه القاسم بن هتيمل "هو شاعر القرن السابع دون منازع، وهو الذي صان لغة الشعر في اليمن من الارتكاس في الصناعات اللفظية ثلاثة قرون، وما إن خيم القرن العاشر عليها مع العجمة "العثمانية" وبدأ شعراؤها يتورطون فيما تورط فيه شعراء الشام ومصر والعراق، ويسرفون في المحسنات البديعية، والأحاجي، والتواري، والألغاز حتى جاء دور شاعرنا الحسن بن جابر الهبل فأعاد للشعر في منتصف القرن الحادي عشر رصانته جلاله، وفخامته وقوته، وجدد ذكرى حبيب و"أبي الطيب"، و"البحتري" و"الشريف" كما فعل "البارودي" في مصر بعده بقرنين، ورفع شوقي بعده اللواء، وحلق به في سماء لا تطاولها سماء"( ).

          .5.3  التقليدون والرومانسيون

          .1.5.3 أحمد شوقي والمسرح: (التقليديون)

          .2.5.3 مطران والشعر القصصي: (الرومانسيون)         

          وهو ما لا يمكن -مع شوقي- تصنيفه ضمن الاختلاف من الدرجة الثانية إلا في حدود -من كل تجربة شوقي الكبيرة- ما "كتب شوقي-بوحي منه وبالجو المحيط به-مسرحياته الشعرية وكتب مطران شعرا قصصيا، بل وحاول أن يكتب ملحمة في نيرون وتأثر شعراء العربية بهذه المحاولات فعملوا على أن يجاروها. فكتب الأخطل الصغير -على سبيل المثال- شعرا قصصيا، وكتب حسين الظريفي مسرحيته الشعرية "رسول السلام"( ). انطلاقا من "الاطلاع على الثقافة الأجنبية والتأثر بها"( )، "ولعل أهم هذه الروافد في الاطلاع على الثقافة الأجنبية حركة الترجمة التي اهتم بها محمد علي في مصر اهتماما كبيرا"( )، و"قد أتاح هذا الاحتكاك بالثقافة الغربية للأدباء، أن يقابلوا بين المجتمع العربي المتخلف، والمجتمع الغربي المتحضر، وأن ينظروا في أدبيهما، فيحاول بعضهم احتذاء الأدب الغربي، بعد إذ صاروا يسمعون عن أقسام الشعر الأوربي، ويفهمون أن منها ما يسمى بالغنائي، ومنها ما يسمى بالملاحم، ومنها ما يسمى بالتمثيلي، ومنها ما يسمى بالقصصي، ومنها ما يسمى بالتعليمي"( ).



          .3.5.3 نازك والعروض الشعري كحاجز

          وفيما يخص المعاصرين، لعل نازك الملائكة (وإن لم تكن الأول) أهم شاعرة من المعاصرين الذين كانوا قد اخترقوا العروض الشعري كحاجز، على حد محمد بنيس، من حيث هي البادئة، وبشكل علني، بالدعوة إلى ذلك عبر "ثورة عاصفة على التقليد من خلال مقدمتها لديوانها الأول شظايا ورماد، ولكنها لم تتعرض فيها لتسمية محددة تسم بها الإبدال الذي أصبح مستبدا بالقصيدة، واكتفت بتمييز عام لها هو ما سمته بـ"الأسلوب الجديد" مقابل "أسلوب الخليل"( ).

          والأسلوب الجديد، أو ما سمي بالشعر الحر، هو -حسب نازك الملائكة: "ظاهرة عروضية قبل كل شيء ذلك أنه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة ويتعلق بعدد التفعيلات في الشطر، ويعنى بترتيب الأشطر والقوافي، وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد وغير ذلك مما هو قضايا عروضية بحته"( )، اهتدت إليه نازك الملائكة، على حد قولها، عبر تجربة شخصية لها، فقد "كانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة "الكوليرا" (..) نظمتها يوم 1947/10/27، وأرسلتها إلى بيروت فنشرتها مجلة (العروبة) في عددها الصادر في أول كانون الأول 1947 وعلقت عليها في العدد نفسه، وكنت نظمت تلك القصيدة أصور بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهمها، وقد حاولت فيها التعبير عن وقع ارجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحر"( )، وعلى الرغم من أن ثمة من سبقها في هذا المضمار، كما تكشف من خلال الطروحات فيما بعد، إلا أنه من الإنصاف بمكان، بحيث ننسب هذا التجديد لها برمته، قياسا إلى غيرها من الشعراء في الشعرية العربية القديمة الذين كانوا قد مثلوا -بعد أن مهدت لهم السبل من آخرين قبلهم- اختزالا، ما طرأ تجديدا شكليا على القصيدة، كالموشحات عند ابن المعتـز مثلا، أو الدعوة إلى حذف المقدمة الطللية مع أبي نواس وغيرهما. وقد سبق أن تعرضنا لذلك قبل قليل، خصوصا فيما يتعلق بالاختلاف من الدرجة الثانية، من حيث تعلقه بالشكل لا بجوهر الشعر، بدليل عدم استمرار أي من تلك الأشكال لفترة طويلة، مما أوجب دخولها في عداد التاريخي لا الإبداعي. وقد قمنا بمحاولة رصد الأهم، لا الكل، مما يندرج تحت مفهومنا للاختلاف كدرجة ثانية، عبر العصور، من حيث أنه من الممكن جدا، أن ينوجد -فعلمنا محدود- أكثر من ذلك، وغيره، إلا أنه لا يتجاوز الشكل إلى الجوهر، وهو ما يمكن أن يتمايز فيه الشعراء الحقيقيون، كل وحسب قدرته، وموهبته، وثقافته في الاقتراب من هذا الأخير، أو الابتعاد، في آن واحد.

.4 الشعراء والاختلاف من الدرجة الثالثة:

          .1.4 الألفاظ:

          نقصد بالألفاظ هنا، كاختلاف من الدرجة الثالثة، لا الشكل الخارجي للقصيدة الشعرية، على اعتبار أن ثمة شعريات تقابل، على وجه الموازاة، اللفظ مع الشكل، والمعنى مع المحتوى، أو الدال والمدلول: كثنائيات متلازمة، وتعني شيئا واحدا هو القصيدة ككل: شكلا ومضمونا، ولكن اللغة: كمفردات محايدة. من حيث لا تعني شيئا سوى ما وضعت له، قبل أن تتدخل يد الشاعر، كمعجم. فمن خلال رصدنا، تأملا، في التجارب الشعرية الهامة عبر العصور، وجدنا أن ثمة ما يمكن أن يكون مألوفا، وسائدا، ويشترك فيه جميع الشعراء من حيث استعمالهم لها، كل وما يهمه، إذ أن المحك في الأخير، لا اللفظة نفسها، وإنما الوضعية التي أراد لها الشاعر أن تكون عليها. فما المانع أن ترد اللفظة مرة، في قصيدة المديح، وترد اللفظة نفسها في قصيدة الهجاء؟ ليس ثمة مانع فالكلمات: كمعجم، في حالة سلبية، لانكفائها على نفسها بمعناها المتواضع عليه، حتى يجيء الشاعر فيتغير كل شيء. وإذا بالكلمة قد صارت فاعلة تؤدي ما لا يمكن أن يكون لو لم يكن هناك شيء اسمه "قصيدة": في المضاف والمضاف إليه (مثل ماء الوصال)، أو في النسيج العام للقصيدة، بما يعنيه من تجربة استعارية "تحاول في كثير من الأحيان أن تعبر عما لا تطيقه اللغة عادة مثل قول "مجنون ليلى":

                      تكاد يدي تندى إذا ما لمستها               وينبت في أطرافها الورق الخضر

ومع أن كلمة: "تكاد" تجذب المجاز إلى منطقة المقاربة وتمحو شيئا من معالم الاستحالة في عملية الاخصاب النباتي باللمس إلا أنها لا تقوى على إزالة كل أثر مدهش لحيويتها ولا معقوليتها معا. فالجهد الذي يبذله الشاعر كي يترجم إلى الكلمات وعيه بالكون الذي يند عن حدود المنطق واللغة العادية لابد أن يسوقه إلى مجال الاستعارة"( ) من حيث هذه (أي "تكاد") تعطي هذه الأخيرة "اسما لواقع لم يسم من قبل قد تقود بكسر حاجز اللغة وقول ما لا يقال فعن طريق الاستعارة مثلا يعبر الصوفيون عما لا يقال أو يترجمون إلى اللغة ما يند عن وسائل اللغة"( )، أو على نحو آخر من حيث هو (أي النسيج العام للقصيدة) تجربة لغوية-صوتية رامزة: كألفاظ إلى معان، وموجودة: كأصوات، إيقاعاتها حد التمازج بين الصوت والمعنى، كما يتجلى ذلك أثرا في التعبير عن تجربة الشاعر المتنبي، مثلا، عندما يقول: (الراء والميم بالإضافة إلى حروف المد: الياء والألف).

على قدر أهل العزم تأتي العزائم              وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتكبر في عين الصغير صغارها            وتصغر في عين العظيم العظائم( )

          من حيث الفخامة استهلالا، وهو ما يتلاءم ومشاعر الشاعر إزاء المعني بالتجربة (الممدوح) كقائد حربي، والانتصار الكبير، علاوة على البحر الشعري: الطويل-القافية الميمية رويا، والضمة كحركة: ملء الفم، ومدى تأثيرها على السامعين وقتها، أو المستحضرين بها للموقف الجلل نفسه.

          .1.1.4 عنترة بن شداد وتجربة العبودية

          نعود -سريعا- بعد هذا التمهيد الذي شئنا له أن ينتهي هنا، فالحديث ذو شجون، لنرجع إلى الاختلاف من الدرجة الثالثة الذي تجسد في الألفاظ، بعد أن انتهينا من تصنيف ما يتعلق بالاختلاف، وكان له الحق في أن يدخل ضمن تصنيفنا لتجربة الاختلاف على نحو القطيعة من الدرجة الأولى من جهة أولى، والشكل من الدرجة الثالثة من جهة ثانية، وقد تحقق لنا ذلك. وبقي أن ثمة ما يمكن أن يكون اختلافا في حده الأدنى، على الأقل، من جهة الألفاظ من حيث تميز عنترة بن شداد في العصر الجاهلي بألفاظ فرضتها تجربته الشخصية كوجود، مما تمايز دون الشعراء مما هو شائع، ومشترك من الألفاظ فمثل: "العبد-سواد جلدي-أرعى جمالهم-سوادي-العبيد-لوني-زبيبة-المسك لوني... الخ" لا نجدها عند سواه: كتجربة كلية متكاملة. نقول هذا بعيدا عن الدوافع النفسية التي مجالها بحث غير هذا، من حيث تعويضه لتلك المعاناة بافتخاره في كل أشعاره بخلقه وشجاعته:

        ما ساءني لوني واسم زبيبة               إن قصرت عن همتي أعدائي

        لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسب                       يوم النـزال إذا ما فاتني النسب

        لئن أك أسودا فالمسك لوني                وما لسواد جلدي من دواء

        ينادونني في السلم يا ابن زبيبة                        وعند صدام الخيل يا ابن الأطايب( )

          .2.1.4 أبو فراس الحمداني وتجربة الأسر

          ويأتي، بعد عنترة، من حيث الاختلاف كألفاظ عبر العصور، على وجه الخصوصية، الشاعر أبو فراس الحمداني في العصر العباسي الثاني نتيجة لنوعية تجربتيهما وتفردهما. فإذا كانت تجربة الأول متعلقة بالاضطهاد، وما مورس ضده من تمييز عنصري، فإن تجربة الثاني (أي أبو فراس الحمداني) متعلقة -أغلبها- بالأسر لفترة طويلة سجنا، ونفيا، وغربة، ومعاناة دائمة لذلك تلقى عنده من الألفاظ -ما لا عند غيره- مثل: "الأسير-الفدا-غاب-مضطهد-المجير-الهم-جراح الأسر-الصبر-يا مفردا-المبقى-الروم" على وجه الكثرة، والتميز، أو بمعنى آخر، لا تجد أمثال هذه القصائد إلا عنده من حيث يقول مثلا:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة                      أيا جارتا هل تشعرين بحال؟

معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى                  ولا خطرت منك الهموم ببال

أتحمل محزون الفؤاد قوادم                          على غصن نائي المسافة عال

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا                    تعالي أقاسمك الهموم تعالي

تعالي تري روحا لدي ضعيفة                      تردد في جسم يعذب بال

أيضحك مأسور وتبكي طليقة                      ويسكت محزون ويندب سال

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة                      ولكن دمعي في الحوادث غال( )

في مناجاة حميمة، لها من الشعر نصيبها: لغة ومفارقة. ولولا أننا هنا في مقام النمذجة، اختزالا، للتجارب/القصائد، بالشاهد، لطال بنا التوقف في غير مكان بالنسبة لهاتين التجربتين السابقتين اللتين تجسدتا كخصوصية. فيما بقية التجارب -كما سنرى- حصل أن تجسدت عند جماعة وجماعة من الشعراء.

          .3.1.4 حسان بن ثابت وأضرابه، وتجربة التأثر بألفاظ القرآن الكريم

ففي العصر الإسلامي، مثلا، لا يمكن أن يكون حسان بن ثابت هو المخصوص، قصرا، بإحداث القطيعة كاختلاف من جهة الألفاظ. لأن ثمة شعراء كانوا قد جايلوه، وظهر تأثير القرآن الكريم في أشعارهم واضحا: ككعب بن زهير، ولبيد، والخنساء وغيرهم، وإن لم يكن ثمة رأي للشاعريين في هذه المسألة، من حيث توقف أغلب شعراء عصر القرآن الكريم عن قول الشعر، إن لم يرجع السبب في ذلك لأنهم لم يعد يفهمون ما الشعر؟ -حسب محمد بنيس( ). فهذا لبيد يقول مثلا: "ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران"( ). وبالرغم من ذلك فقد صح أن قالوا شعرا متأثرين بألفاظ القرآن الكريم، وما تحمله من معان جديدة، كما هو واضح في أغلب أشعارهم. نختار للتمثيل حسانا فقد دخل في شعره على وجه القطيعة أمثال الألفاظ التالية: "جبريل-أمين الله-روح القدس-أرسلت عبدا-الحق-الجزاء-مباركا-حنيفا-رسول الله"، سواء في قصيدته الهمزية الشهيرة التي مطلعها:

عفت ذات الأصابع فالجواء     إلى عذراء منـزلها خلاء( )

أو المقطع التالي من قصيدة له في غزوة الأحزاب:

حتى إذا وردوا المنية وارتجوا                     قتل النبي ومغنم الاسلاب

وغدوا علينا قادرين بأيدهم              ردوا بغيظهم على الأعقاب

بهبوب معصفة تفرق جمعهم                        وجنود ربك سيد الأرباب

وكفى الإله المؤمنين قتالهم              وأثابهم في الأجر خير ثواب

من بعد ما قنطوا ففرج عنهم            تنـزيل نص مليكنا الوهاب

وأقر عين محمد وصحابه               وأذل كل مكذب مرتاب( )

وهاتان القصيدتان من أقوى وأهم تجارب حسان على الرغم من ضعفهما، ومباشرتها إزاء ما كان يقوله في الجاهلية، مما يعطي الأهمية لرأي الأصمعي حيث قال، بهذا الصدد: "الشعر بابه الشر فإذا دخل باب الخير فقد ضعف ولان"( )، وعليه "فلا وجود لما يسمى بقصيدة إسلامية بل قصيدة شعرية وحسب"( ) على حد بنيس، وهو ما لم يعد يفهمه حسان فسقط شعره، مما لا علاقة لذلك بما كان قد ذهب إليه عبد القادر القط، في إرجاعه السبب إلى موت الشعراء الكبار. حيث يقول: "نود قبل أن نمضي في تفصيل الحديث عن موقف هؤلاء الشعراء أن ننبه إلى حقيقة يغفلها أغلب الدارسين في هذا المجال. تلك هي أن ذلك الضعف الذي لاحظناه على الشعر الإسلامي كان قد بدأ في الحقيقة قبيل الإسلام لا بعده. كان قد انقضى عصر "الفحول" ولم يبق إلا الأعشى الذي مات -كما تقول الرواية- وهو في طريقه إلى النبي ليمدحه ويعلن إسلامه، ولبيد الذي كان قد بلغ الستين وأوشك أن يكف عن قول الشعر. ولم يبق عند ظهور الإسلام إلا شعراء مقلون بعضهم مجيد في قصائد مفرده ولكنهم لا يبلغون شأو هؤلاء الفحول"( ). وهي نظرة غير موضوعية ودقيقة، وإلا ما معنى أن لا يكون حسان بن ثابت، أو الحطيئة، أو كعب من الفحول. نكتفي بالاسترسال عند هذه النقطة إلى غير مكان، فالكلام كثير في هذه المسألة، وقد سبق أن أشبعها الكثير من الدارسين بحثا، ودرسا، ومناقشة.

          .4.1.4 العذريون وخلق معجم شعري جديد

          ننتقل إلى عصر آخر، هو العصر الأموي، من خلال الشعراء العذريين، لا شعراء النقائض (فتأمل)، الذين كان قد أجمل عبد القادر القط، دون أن يمثل لذلك، بخصوص تجديدهم الألفاظ، في عصر، عدهم من الدرجة الثانية، بمقارنتهم بالفرزدق، وجرير، والأخطل كشعراء من الدرجة الأولى على حد قوله، بعد أن ألمح إلى نقطة هامة جدا، بخصوص تجاربهم، فيما يتعلق "بطبيعة التجربة المجردة الخالية من المواقف عند هؤلاء الشعراء مما جعل الحب لديهم مجرد صور مطلقة لا تتلون بطبيعة اللحظات أو الظروف الخاصة أو الأوضاع المميزة لكل تجربة عند كل شاعر، لذلك اختلط شعر بعضهم بشعر بعض ونسب إليهم كل ما يدور في فلك هذه الصفة المجردة المطلقة للحب"( )، من حيث يقول أيضا، "فلم يكن هؤلاء الشعراء من ذوي الخيال المحلق، ولعلنا نستطيع أن نقول أيضا أنهم لم يكونوا مواهب شعرية، "عظيمة" ولكنهم مع ذلك قد قاموا بدور خطير في تطور الشعر العربي وخلق معجم شعري جديد"( )، وقد رجعنا إلى أفضل خمس قصائد -على التوالي- لكل من: قيس بن الملوح، في قصيدته اليائية التي يستهلها بقوله:

تذكرت ليلى والسنين الخواليا                وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا( )

ثممن بعده قيس بن ذريح، في قصيدته العينية، التي يقول مطلعها:

عفا سرف من أهله فسراوع                فجنبا أريك فالتلاع الدوافع( )

ثم عمر بن أبي ربيعة -وهو أشعرهم- الذي يقول، فاتحا، قصيدته الرائية:

أمن آل نعم انت غاد فمبكر      غداة غد أم رائح فمهجر( )

فكثير عزة في تائيته، التي يبدؤها بقوله:

خليلي هذا ربع مية فاعقلا     قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت( )

وأخيرا جميل بن معمر، الذي يبدأ هكذا:

الا ليت ريعان الشباب جديد       ودهرا تولى يا بثين يعود( )

لنخرج، كمعجم، -تحديدا-، بالألفاظ التالية:

          "الشمل-القلب-تصبر-العهد-الحب-القرب-النأي-الشوق-الهوى-البكا-الوصل-قاربت-تباعدت-مودة-الواشون-صبابتي-الوجد-دمعي-شهيد-ميثاق-عهود-المنى-وعد-صدود-الشتيتين-صبابة-بكى-شافيا-ابتلاني-الغرام-فؤاديا-اللقاء-الشوق-معذبتي-وجد-شجني-الفراق-حبيب-المدامع-أتبكي-الشمل-القلب-الشمل-يجمع-الليل-أبكي-أهجر-الأسى-متيم...".

          المعجم الذي اشترك في إنتاجه، ومن ثم استعماله على نحو مميز، ومقصور، هؤلاء الشعراء العذريون على النحو الذي حصل، مثلما سنرى مع الرومانسيين، وتحديدا بمن ينتسبون إلى جماعة أبولو، وإن كانت مرجعية هؤلاء الأخيرين الرومانسية الأوروبية والأمريكية( ). في الوقت الذي كان قد حصل مع العذريين، ويمكن تفسيره، أن مروا بتجارب حب مشابهة، وقد تأثروا ببعضهم البعض. هذا إن لم تكن التجارب برمتها تقليدا شعريا يتميز به شعراء الحجاز، عن شعراء الشام (جرير/الفرزدق/الأخطل) في الفترة الزمنية المتقاربة نفسها، بدليل اغتصاب بعض شعراء الشام لأبيات شعرية بعينها لشعراء الحجاز (أقصد العذريين)، بحجة الأولوية لمن اشتهر بطرق أغراض شعرية بعينها: كالفخر، والهجاء، والمدح، والرثاء... وغير ذلك مما تميز به، على وجه الاختصاص، شعراء الشام دون شعراء الحجاز الذين لم يبق لهم سوى الغزل، والغزل العذري منه، بدليل "فعل الفرزدق إذ سمع جميلا ينشد:

                      ترى الناس ماسرنا يسيرون خلفنا

                                                          وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فقال: أنا أحق بهذا البيت، فأخذه غصبا"( ). وبغير هذا الفهم لا يمكن لنا المزيد من التحليل، وإن كان جميل هذا قد استرقه (أي البيت الشعري) من قول السموأل بن عادياء:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم                    ولا ينكرون القول حين نقول( )

وباستثناء عمر بن أبي ربيعة، فإن ثمة الكثير مما كان قد قاله الشعراء العذريون يندرج -بخصوص النظم في هذا الباب- تحت التقليد لا التجربة. وهو ما يمكن لنا، به، تعليل ذلك التشابه القائم حد التطابق بين معان كثيرة بعينها في قصائدهم. فهذا قيس بن الملوح يقول مثلا:

                      وقد يجمع الله الشتيتين بعدما

                                                          يظنان كل الظن أن لا تلاقيا( )

من حيث المكان نفسه الذي يخلفه فيه قيس بن ذريح، ليقول في المعنى نفسه: -وإن تغير البحر الشعري والقافية معا-:

فليس لأمر حاول الله جمعه   مشت ولا ما فرق الله جامع( )

وتتكرر المسألة مع جميل فيقول في داليته:

                      وقد تلتقي الأشتات بعد تفرق

                                                          وقد تدرك الحاجات وهي بعيد( )

مما يمكن أن يكون، ما كان قد ذهب إليه طه حسين، صحيحا بهذا الصدد، حيث يقول: "وهؤلاء الشعراء هم الذين صورت حياتهم وصور حبهم في هذه القصص الكثيرة التي نقرؤها في كتب الأدب، ولم تكن هذه القصص قد وقعت بالفعل ولكنها كانت تصور شيئا واحدا كان مشتركا بينهم وهو هذا الحب اليائس، حب يعيش له صاحبه ويعيش به صاحبه، ويتألم به حين يدنوا الليل، كما يتألم له حين يسفر النهار، ولكنه لا يصل به إلى شيء"( ). في الوقت الذي -وهو رأي عبد القادر القط، وعبد المجيد زراقط، ومحمد مندور وغيرهم- لا يمكن لنا أن نختتم هذه الرؤية، وهو هدفنا، إلا بالقول: إن هذا النوع من التجديد "هو أول نوع من التجديد عرفه المسلمون"( )، بمعنى الاختلاف في العصر الأموي.

          .5.1.4 الرومانسيون "أبولو" نموذجا:

          ولا يتكرر هذا النوع من التجديد على وجه جماعي، فيما بعد، إلا مع الرومانسيين العرب، وبجماعة: "الديوان"، و"أبولو"، و"المهجر" تحديدا. وإن كان ثمة ما يمكن ملاحظته على جماعة الديوان بخصوص الألفاظ من حيث "لم يخرج جماعة الديوان على المشارقة في لغتهم وصورهم، إلا فيما ندر، فأنت لا تعدم أن تجد في مفردات شكري ما هو مثل: الادجان، وطخيان، والنهاء، والتصريد، والوذيلة، والبقيعة، والمدر، والصعر، والواهق وما إلى ذلك مما هو كثير في ديوانه، ولا تعدم أن تجد أيضا في ديوان العقاد ما هو مثل: المشاش، ومدره، وعرامة، ومائق، وهينم، وجران، والذميل، والارقال، والزرياب، والثبج، والوذيلة، واللهذم، وشطون، واللحظ الشفون وما إلى ذلك"( ).

          في الوقت الذي من الممكن فيه اتخاذ جماعة أبولو نموذجا ممتازا للاختلاف من الدرجة الثالثة، فيما يتعلق بالألفاظ. وعن طريق نظرة سريعة في أجواء تجارب أمثال: على محمود طه، وإبراهيم ناجي، والشابي على وجه الخصوص "يمكننا أن نلمح في هذا الجو مفردات بعينها تشيع في شعر هذه الجماعة منها ما يمت إلى الطبيعة بسبب مثل: السماء، الازهار، الروض، الندى، الحقول، القمر، الشمس، الغيوم، وما إلى ذلك، وما يمت إلى النفس بسبب آخر مثل: الحزن، الأسى، الاشجان الوجوم، الكآبة، الحبور، وما إلى ذلك مما هو لصيق بمذهبهم العام"( ) الذي سيكون "منبعة الذات، أي أعماق قلوبهم الملأ ببهاء الكون ومثل الحياة العليا" كما يقول الشابي( ). وأنه من الأهمية بمكان الإشارة بهذا الصدد إلى أن مبادئ هذه التجربة الشعرية الجديدة التي شارك في تقديمها جماعة من الشعراء تلتحق كمرجعية "بالمبادئ المشتركة للشعر الرومانسي الأوروبي في الوقت نفسه الذي لا تنفصل فيه تماما عن النظرية التي تشغل الشعر العربي والمنطلق النظري الذي يستحوذ على حداثته منذ القرن التاسع عشر. أما الوعي الممكن فهو ذهاب وإياب بين الكتابة الصوفية، والحكاية، ويعثر على نموذجه في الممارسة النصية لكل من جبران خليل جبران وأبي القاسم الشابي"( ).

          .6.1.4 المعاصرون ومعجم الحياة اليومية( )

          ننتقل أخيرا إلى الشعر المعاصر، "وفي محاولة استجلاء لغة حركة الشعر الحر لا نستطيع أن نعمم حكما، وإنما نحن نلاحظ أن هناك تيارات ثلاثة توزعت هذه الحركة هي: تيار انبثق من فهم رواد حركة الشعر الحر للغة، وهو فهم لا يختلف كثيرا عن فهم المهجريين، ولكنه مرتبط بالتراث الشعري العربي، ويتمثل هذا التيار في شعر السياب، ونازك الملائكة، وأدونيس، فهو والسياب في الطليعة من "ورثة القاموس الكلاسيكي، وإن اكسبوه تألقا وحرارة، واختاروا كلماتهم ناصعة جديدة غير مستهلكة. ويلاحظ على لغة هؤلاء، رغم ارتباطها بالتراث أنها لم تقف عند حدوده، وإنما استعانت على التجديد بالخروج على قواعد هذه اللغة مرة، وباستعمال كلمات دارجة مرة أخرى، فالسياب لا يبالي أن يأخذ مفرداته أحيانا من العامية الدارجة، ونازك تخرج على ما يتواضع عليه اللغويون مرات ليست قليلة. وكأن الواقعية الجديدة التي احتضنت الشعر الحر بما تقتضيه من سحق "الميوعة الرومانتيكية" وأدب الأبراج العاجية، وجمود الكلاسيكية هي التي أثرت في تلك الناحية من شعرهم. ومن الواقعية الجديدة انبثق تيار لغوي آخر يقوم على استخدام الشاعر الجديد لكثير من الأجواء والتعابير والمصطلحات الشعبية، والتبسيط في استخدام الأساليب اللغوية إلى حد النسيج العادي البسيط... ويمثل هذا التيار بلند الحيدري، وحسين مردان، وموسى النقدي، ونزار قباني وعبد الصبور، والبياتي. وفي ضوء من هذا التيار يمكن أن نفهم اتهام بعض هؤلاء بالنثرية، وقيام دعوة الدكتور محمد النويهي في الأخذ بالحديث اليومي لغة للشعر -مقلدا إليوت- أقول: نفهم قيام دعوته تلك على شعر صلاح عبد الصبور دون سواه"( )، من حيث إن هذا الأخير أوضح نموذج لذلك، بدءا بقصيدته "شنق زهران"، فـ"الملك لك"، بورود الألفاظ التالية فيهما: "الزند، أبو زيد سلامه- شالا تركي معمم -المصطبه-مائدة فوقها ألف صحن-دجاج-وبط-وخبز كثير..، حيث حاول أن يخطط البيئة الريفية. يقول صلاح عبد الصبور "ومر ذلك كله بسلام، حتى نشرت قصيدتي الحزن ودار حولها حديث كثير، ولعل معظمه كان اعتراضا على قاموس المشهد الأول منها حين حاولت التحرر من اللغة الشعرية التقليدية إلى لغة رأيتها أكثر ملائمة للمشهد:

يا صاحبي

إني حزين

طلع الصباح فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح

وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح

وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف

ورجعت بعد الظهر في جيبـي قروش

فشربت شايا في الطريق

ورتقت نعلي

ولعبت بالنـرد الموزع بين كفي والصديق

ودموع شحاذ صفيق

كنت أريد أن أقدم صورة لحياة تافهة تنطلق في الصباح وراء فتات العيش وتقضي أصيلها في ممارسة السخف والابتعاد عن جوهر الحياة، كل ذلك مقدمة لأحزان الليل التي لا يستطيع الإنسان في وحدته أن يهرب منها، متأثرا "بالأرض الخراب" لأليوت( ).





 )  انظر شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، دار المعارف، القاهرة، ط:1، سنة (بدون).

  )  مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة، مختارات شعرية، (م.س)، ص: 248.

  )  نفسه، ص: 213.

  ) القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، (م.س)، ص: 193.

  ) محمد بنيس، محاضرات في الشعر الحديث، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب، الرباط، 90-1991م.

  )  أنظر مقدمة المرزوقي، وانظر مقدمة ديوان امرئ القيس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1983، ص: 24.

  ) أنظر محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي، (م.س)، ص:20.

  ) أنظر -بخصوص الإيديولوجية- عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:3، 1984.

  )  عبد المجيد زراقط، في مفهوم الشعر ونقده، دار الحق، بيروت، ط:1، 1998، ص: 175-176-178.

  )  نفسه، ص: 179.

  )  ممارسة الحجاب نفسها حدثت حتى لبشار بن برد فتأمل فقد روي عن الأصمعي أن طائفة من رواة الكوفيين "قد ختموا الشعر بمروان بن أبي حفصة" ولم يعترفوا لبشار والسبب أن مروان أخذ بمسلك الأوائل" على حين أن بشار عد في عصره "أول من جاء" بالبديع، وإذن فإن ختم الشعر بمروان معناه أن المحدثين -وعلى رأسهم بشار- خارجون عن طريقة العرب في الشعر.

  ) محمد بنيس، محاضرات في الشعر العربي المعاصر، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب، الرباط، سنة 95-1996م.

  ) شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، دار المعارف، القاهرة، ط:1، سنة (بدون)، ص: 276.

  ) إن شعراء مثل البحتري يمكن إلحاق طريقته بشعراء النقائض، إذ لم يأت بجديد سوى إخلاصه لعمود الشعر، لا على مستوى المعاني أو الأغراض، أو اللغة، فلغته تشبه جرير، كذلك شعراء مثل: علي بن الجهم وعبد السلام ديك الجن وغيرهما من من هم من الدرجة الثانية.

"ومن البديهي أن نقول: أن أي جديد يكون غامضا بدرجة أو بأخرى، وسبب غموضه على الجمهور هو جدته نفسها. فليس أغرب عليه من أن يجابه بما لم يألف، فإذا أضفنا إلى ذلك أن كل جديد يكون في بداية أمره مشوها سمجا [حسب فرنسيس بيكون] وأنه يصاب عادة بالتكلف، لأن الحركات التجديدية تكون -في الغالب- خاضعة للتجريب، والإضافة، والتعديل حتى تكتمل على يد موهوب كبير يستطيع أن يستثمر تجارب سابقيه، ويضيف إليها ما يقومها ويغنيها". أنظر محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد ص: 83.

- يرى القاضي الجرجاني أن أبا تمام:

          "قبلة أصحاب المعاني، وقدوة أهل البديع" -حسب الوساطة، (م.س)، ص: 19-20.

كما يرى القاضي نفسه، ناقدا، أبا تمام، أنه على سبيل التعريض والتمثيل:

"حاول بين المحدثين الاقتداء بالأوائل في كثير من ألفاظه فحصل منه على نوعية اللفظ (...) ثم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع، فتحمله من كل وجه، وتوصل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفية" - الوساطة، ص: 79-80.

  ) أنظر محمد مندور، النقد المنهجي عن العرب، دار نهضة مصر القاهرة، ط:1، 1994، ص: 79-80.

  )  نفسه، ص: 89-90.

  ) نفسه، ص: 89.

  ) نفسه، ص: 89.

  ) نفسه، ص: 89.

  )  أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت، لبنان، ط:3، 1983، ص: 8.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، توبقال، البيضاء، ط:1، ص: 36.

  )  نفسه، ص: 37.

  ) محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد، (م.س)، ص:26.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، توبقال، البيضاء، ط:1، ص: 42.

  ) نفسه، ص: 50.

  )  أنظر ابن قتيبة، الشعر والشعراء، (م.س)، ص: 134.

  )  ديوان الحطيئة، دار صادر، بيروت، ط:1، 1981.

* )  ملاحظة: استمر هذا الأسلوب مع البحتري والفرزدق في قصة الشاعر والذئب مثلا، كعارض كظاهرة. ولا نظن أن الفرزدق، والبحتري كانا امتدادا للحطيئة، من حيث وجود نماذج تمثل لهما مرجعية، ولو على نحو أولى، عند امرئ القيس الذي يعده صلاح عبد الصبور "أول شاعر فتح الباب لأدب الذئب في شعرنا القديم:

"نعم لقد فتح امرؤ القيس هذا الباب بأبياته المعروفة:

وواد كجوف العير قفر قطعته                       به الذئب يعوى كالخليع المعيل

فقلت له لما عوى: إن شأننا               قليل الغنى إن كنت لما تمول

كلانا إذا ما نال شيئا أفاته                 ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

(...) وبعد امرئ القيس تستمر تقاليد الاخوة بين البدوي والذئب

يلتقي المرقش الأكبر، الشاعر الجاهلي، في ليلة موحشة بالذئب(...) يقول المرقش الأكبر:

ومنـزل ضنك لا أريد مبيتا               كأني به من شدة الروع آنس

وتسمع تزقاء من البوم حولنا             كما ضربت بعد الهدوء النواقس

ولما أضأنا النار عند شوائنا              عرانا عليها أقلس اللون بائس

نبذت إليه قطعة من شوائنا               حياء وما فحش على من أجالس

فآب بها جذلان ينفض رأسه              كما آب بالنهب الكمي المخالس

أما الفرزدق فيقول:

          واطلس عسال، وما كان صاحبا            دعوت لناري موهنا فأتاني

(...) أما البحتري فيقول:

          واطلس ملء العين يحمل زوره                        وأضلاعه من جانبيه شوى نهد

(أنظر صلاح عبد الصبور، قراءة جديدة لشعرنا القديم، دار العودة، بيروت، ط:3، 1982).

  )  عبد القادر القط، في الشعر الإسلامي الأموي، دار النهضة، بيروت، ط:1، 1979، ص: 169.

  )  أنظر محمد مندور، النقد المنهجي عن العرب، (م.س)، ص: 79.

  )  أنظر عباس العقاد، أبو نواس الحسن بن هانئ، دار الرشاد الحديثة، ص: 113.

  ) أنظر محمد بنيس، حداثة السؤال بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة، دار التنوير، بيروت، ط:1، 1985، ص: 21.

  ) محمد مندور، النقد المنهجي عن العرب، (م.س)، ص: 79.

  ) أدونيس، مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط:3، 1979، ص: 37.

  ) نفسه، ص: 39.

  )  أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم، دار صادر، بيروت، (بدون)، ص: 6.

  ) أدونيس، مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط:3، 1979، ص: 37.

  ) أنظر مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة (مختارات شعرية)، المجلد 1، دار طلاس، دمشق، سورية، ط:1، 1985.

  )  ديوان الهبل أمير شعراء اليمن، تحقيق وتقديم أحمد بن محمد الشامي، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، صنعاء، ط:1، 1983، ص: 7.

  ) محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي، (م.س)، ص: 36.

  )  نفسه، ص: 32.

  ) نفسه، ص: 33.

  ) نفسه، ص: 33.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها، (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 8.

  )  نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 7، 1983، ص: 69.

  )  نفسه، ص: 35.

  )  صلاح فضل، علم الأسلوب، (م.س)، ص: 258.

  )  نفسه، ص: 258.

  ) ديوان أبي الطيب المتنبي، شرح أبي العلاء المعري، تحقيق: عبد المجيد دياب، المجلد الثالث، دار المعارف، القاهرة، ط: 2، 1992، ص: 419.

  ) ديوان عنترة العبسي، دار صادر، بيروت، ط(بدون)، 1992، ص: 103.

  )  أبو فراس الحمداني، ديوان أبي فراس، دار مكتبة الحياة، بيروت، ط(بدون)، سنة (بدون)، ص: 211.

  ) محمد بنيس، محاضرات في الشعر العربي الحديث، كلية الآداب، الرباط، سنة 95-1996م.

  ) أنظر محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي، (م.س)، ص: 11.

  ) أنظر حسان بن ثابت الانصاري، ديوان حسان بن ثابت، شرح البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط:1، 1981، ص: 54.

  ) حسان بن ثابت، ديوان حسان، ص: 64.

  )  محمد بنيس، محاضرات في الشعر العربي، 95-1996.

  ) محمد بنيس، محاضرات في الشعر العربي، 95-1996.

  )  عبد القادر القط، في الشعر الإسلامي والأموي، دار النهضة العربية، بيروت، ط:1، 1979، ص: 13.

  ) عبد القادر القط، في الشعر الإسلامي والأموي، ص: 169-170.

  )  نفسه، ص: 170.

  )  مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة، (مختارات شعرية)، (م.س)، ص: 261.

  ) نفسه، ص: 267.

  ) نفسه، ص: 283.

  ) نفسه، ص: 306.

  ) نفسه، ص: 324.

  ) أنظر محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (2-الرومانسية)، توبقال، البيضاء، ط:2، 2001، ص: 10.

  )  أنظر القاضي الجرجاني، الوساطة، (م.س)، ص: 193.

  )  أنظر أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، دار الفكر، بيروت، ط: بدون، 1965، ص: 260، وانظر حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، (م.س)، ص: 50.

  ) مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة، (مختارات شعرية)، دار طلاس، دمشق، ط بدون، سنة بدون، المجلد I، ص: 261.

  ) نفسه، ص: 267.

  ) نفسه، ص: 324.

  )  طه حسين، تقليد وتجديد، دار العلم للملايين، بيروت، ط:3، 1984، ص: 30.

  ) نفسه، ص: 31.

  )  محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد، (م.س)، ص: 195.

  )  نفسه، ص: 197.

  ) أنظر محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (4-مساءلة الحداثة)، دار توبقال، البيضاء، ط:1، 1991م، ص:162.

  ) أنظر محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (1-التقليدية)، توبقال، البيضاء، ط:1، 1989،  ص: 36.

  ) أنظر بهذا الصدد محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3-الشعر المعاصر)، توبقال، البيضاء، ط:1، 1990.

  ) محمد حسين الأعرجي، الصراع بين القديم والجديد، (م.س)، ص: 199-200.

  )  أنظر عبد العزيز المقالح، دراسة بعنوان: الأصوات الثلاثة في الشعر العربي المعاصر (دراسة تطبيقية)، مجلة مواقف الصادرة عن دار الساقي، العدد 57، شتاء 1989.













الفصل الثالث

صوت الشاعر في تناغم الكلمات معه



.1 الإيقاع الشخصي .

          .1.1 الإيقاع الشخصي كأسلوب من الدرجة الأولى

          بالنسبة للإيقاع الشخصي من الدرجة الأولى كأسلوب، فقد سعينا في التمثيل له من خلال أهم الشعراء الذين وجدوا في عصورهم، لا على سبيل قصره على تجاربهم دون سواهم، كما حصل في النمذجة لأول، وأهم شروط/محاور المقترح (الاختلاف بدرجاته الثلاث)، من حيث أن ثمة الكثير من الشعراء، كان من الممكن أن نتخذ من تجاربهم شواهد دون هؤلاء الذين قد اخترناهم على وجه الانتقاء، ممن تميزوا عبر العصور بأسلوب ذي طابع شخصي بارز، شديد التمثيل لمزاج خاص في تجاربهم المتميزة. بحيث أنه، من السهولة، على القارئ أن يجزم بإرجاع ما يرد عليه من الأشعار إلى أصحابها أنفسهم دون أن يخطئ، وإن لم يكن في استطاعته، تعليل ذلك على النحو الذي سنوضحه، بصدد هذه المسألة، عبر نماذجنا المختارة، من حيث لا عدة له (أي القارئ) في مواجهة ذلك إلا الذوق.

          .1.1.1 زهير ابن أبي سلمى والتعبير بالمشهد

من العصر الجاهلي، يمكن أن يكون زهير بن أبي سلمى صاحب أسلوب متميز، ومشهور كتجربة شخصية، فيما لا يغطي على غيره من الفحول الذين لهم أيضا أساليبهم، أو منازعهم، أو طرقهم المشهورة في النظم، أو الصياغات الشعرية. وقد تجسد الأسلوب لدى زهير في الكتابة، أو التعبير بالمشهد والحادثة على حد إيليا الحاوي، الذي يرى إن "هذا الأسلوب اختص به سائر الجاهليين، وقد التزمه زهير وتمادى به، جاعلا منه سمة خاصة من سمات أسلوبه. ومع أن طبيعة التجربة القائمة على الأفكار والخواطر والسرد والنقض لا تسيغ أسلوب التمثيل بالمشهد، فقد ألم به الشاعر واعتمده في بعض الأبيات كقوله: رأيت المنايا خبط عشواء من تصب(...) يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم(...) فلم يبق إلا صورة اللحم والدم(...) وأن يرق أسباب المنايا بسلم(...) ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه(...) فتعرككم عرك الرحى( )، بالإضافة إلى: "الطباق الذي يرد بشكل خفي، خفر، ولا ينبو أو ينشز، إذ لم يتعمده الشاعر تعمدا كأبي تمام وسائر البديعيين فيما بعد"( )، و"صيغ الشرط"( ).

          .2.1.1 الكميت وأسلوب الخطابة

ومن العصر الجاهلي، بتجاوزنا الإسلامي، ننتقل إلى العصر الأموي، لنجد الكميت بن زيد الأسدي دون سواه -على الرغم من كثرة الشعراء الفحول وغيرهم ممن هم أقل من ذلك، بهذا المفهوم-. الشاعر الذي تميز بطريقة خاصة في الكتابة الشعرية، مفيدا، من الأجناس النثرية في أسلوب الخطابة تحديدا، مثلما سبق لنا أن وضحناه فيما سلف عند النمذجة للاختلاف، وعليه نقول: ما كل شاعر، له طريقة خاصة في كتابة القصيدة كنسيج تميزه على نحو شهير بمختلف، بينما كل شاعر مختلف، له طريقة خاصة لا تميزه دون سائر الشعراء فحسب، وإنما تتبع، استحسانا، من قبل الشعراء، علاوة على إحداثه قطيعة ما، نستطيع تشبيه ذلك بالمفصل الرئيس، من جسد القصيدة.

          .3.1.1 أبو تمام والبديع

          الكلام نفسه ينسحب على أبي تمام في العصر العباسي الأول كقطيعة، في جانبها الرئيس الثاني حيث: الأسلوب (البديع)، في الوقت الذي سيتعلق الجانب الأول بالمعاني، وما يحتمل أن يندرج تحتها من مفاهيم ورؤى، وحساسية فنية وذوقية ولغوية، ومعرفية... إلخ.

          وإذا كان الكميت بن زيد الأسدي قد قال شعرا بأساليب الخطابة، كجنس مستقل لا علاقة له بالشعر وأساليبه المألوفة، منطلقا، من الثقافة الإسلامية وتحديدا، فيما يتعلق بنهج البلاغة للإمام علي(ع) كمرجعية، فإن أبا تمام قد اهتدى إلى أسلوبه، عبر طرقه للقليل مما كان متفرقا هنا وهناك، على وجه الكثرة، حتى حسب له هذا الضرب من التأليف (البديع)، وحقق بذلك خروجا "على مألوف العرب في الصياغة وفي التماس المعاني التي تعبر عما يريد قوله"( ).

          .4.1.1 المتنبي والتصدير في كتابة القصيدة

          وإذا كان الشاعريون -بالنسبة للعصر العباسي الثاني-، فيما يتعلق بالمتنبي، كأسلوب "لم يستطيعوا أن ينسبوه إلى مذهب بعينه"( )، على حد محمد مندور، حيث "مال به البعض إلى صنعة مسلم وأبي تمام، وعدل به آخرون إلى طبع البحتري، ورأى الجرجاني أنه وسط بين المذهبين"( )، لأسباب تتعلق بقدرات هؤلاء الشاعريين في النفاذ من خلال التفاصيل الدقيقة للصنعة. وهو ما انسحب على محمد مندور نفسه، بدليل تفسيره لذلك، على هذا النحو التقليدي العام - الغامض من حيث يقول معلقا: "والواقع أن المتنبي لم يصدر إلا عن طبعه هو، فشعره ليس شعرا مصنوعا، وهو قد خلا إلا في القليل من تكلف أبي تمام ومسلم، بل ومن سهولة البحتري التي هي الأخرى وليدة فن شعري بعينه. كما سنرى شعر المتنبي أصداء لحياته ونغمات نفسه... شعر أصيل، قد حطم المذاهب واستقل دونها جميعا"( )، في الوقت الذي، لو أنصت محمد مندور لابن رشيق في كتابه "العمدة"، حيث أشار إلى أن المسألة الأسلوبية عند المتنبي برمتها متعلقة بما أسماه بـ"التصدير"، في "رد اعجاز الكلام على صدوره فيدل بعضه على بعض"( ) على وجه الكثرة، وقد سبقه إلى ذلك زهير بن أبي سلمى. لكن ما يعطي الأولوية دائما للمتنبي هي الكثرة، كونها غالبة. في الوقت نفسه الذي يكون المحك الأساس، هو: القدرة على الأداء لا التقليد، والاحتذاء صياغة ذهنية تأتلف في آن واحد من حيث نسبتها إلى شجرتها الأم كنسق، بكل ما تعنيه هذا الأخيرة من جذور عميقة في الثقافة العربية، في الوقت نفسه الذي يخرج عليه، كمألوف، وسائد بإحداث اختلاف جديد وهكذا، ولولا هذه السنة لماتت اللغة، وقضي على الإبداع من حيث بدأ.

          .5.1.1 محمود درويش وخيطه الإيقاعي

          .1.5.1.1 ثلاث كلمات تكرار لإثنتين

          وبتجاوزنا عصور الانحطاط من حيث لا جديد، والنهضة (التقليديون)، فالرومانسية، نكون قد أحلنا شعراء كثيرين إلى غير ما نحن بصدده من نمذجة للإيقاع الشخصي من الدرجة الأولى كأسلوب، لنلتقي ببضعة شعراء كانوا خلاصة عصري: النهضة، فالرومانسية: كالسياب، والبياتي، وأدونيس، ونزار قباني، و...، وأخيرا محمود درويش، الذي كنا قد اخترناه نيابة عن البقية نموذجا للزمن المعاصر، لا على وجه التفوق. فكل هؤلاء الذين كنا قد ذكرناهم يتساوون، من حيث امتلاك كل منهم لأسلوبه المغاير المشهور، لا في حدود العصر الذي وجدوا فيه فحسب، وإنما إزاء كل العصور. نقول اخترناه، لأنه أقرب ما بأيدينا الآن على الأقل، من نماذج قوية وواضحة للطريقة المتميزة. فأسلوب درويش، برمته، قائم على التكرار، كطريقة شعرية يشترك فيها اللغوي والفني، البلاغي والعروضي... يقول كمال أبوديب: "إيقاع درويش(...) يتألف من حركات بدء والتقاط تكراري للخيط الإيقاعي في نقاط محددة له - إذا سمعت إيقاعا كالتالي وقرأت خمس كلمات ثلاثة منها تكرار لاثنتين تعرف أنك في حضور محمود درويش:

                      في المساء الأخير سأذهب نحو المدينة،

                      نحو المدينة أذهب مستعجلا في المساء الأخير"( ).

وقد رجعنا إلى غير قصيدة لدرويش فكنا -كما ذهب أبوديب- في حضور درويش، عبر التقاطه التكراري للخيط الإيقاعي، فمن "ورد أقل"، نقرأ من قصيدة: "سأقطع هذا الطريق"، التالي:

سأقطع هذا الطريق الطويل، وهذا الطريق الطويل إلى آخره

إلى آخر القلب هذا الطريق الطويل الطويل الطويل

تضيق بنا الأرض، أو لا تضيق سنقطع هذا الطريق الطويل( )

لكن، ما مرجعية درويش بهذا الشأن؟ الواضح أنه نشأ على وجه الابتداء، بعيدا، في تجربته الشخصية المغايرة، والجديدة معا.

.2 الإيقاع الشخصي كظاهرة، من الدرجة الثانية

          .1.2 زهير بن أبي سلمى

          .1.1.2 أشعار الحكمة

          يمثل زهير بن أبي سلمى العصر الجاهلي، فيما رصدناه، كظاهرة، يتمتع بها إيقاع تجربته الشخصي دون بقية الشعراء، من حيث ميله دونا عن بقية الأغراض الشعرية: كالمدح والغزل، والرثاء، والوصف التي كانت سائدة في عصره، أقول: من حيث ميله "إلى الحكمة، جرب الدهر وحلب أشطره، وخبر الناس وعرف نفوسهم فعمد إلى صياغة ذلك كله في شعره -وكان ملهما- فأتى بما لم يسبق إليه وقد أعجب المسلمون في الصدر الأول بحكمه، وفضله بعضهم من أجلها على سائر الشعراء، لما فيها من صدق القول، وحسن النظر، ولما فيها من نظرات تتفق ومبادئ الإسلام كقوله:

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم     ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر             ليوم حساب أو يعجل فينقم"( )

وعلى الرغم مما يساورنا تجاه هذه المعاني من حيث نسبتها إلى زهير الذي لم يدرك الإسلام، ولم يحصل أن علمنا بأنه، على الأقل، كان ضمن من كان على دين إبراهيم عليه السلام، بدليل معالجته لموضوعة الموت والحياة انطلاقا من تأمله في الوجود من حوله فحسب، كأن يقول:

                      رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

                                                          تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم( )

أو فيما يتعلق بالأبيات التأملية التي جرت، فيما بعد، مجرى الحكمة والمثل النابعة من صميم الحياة الجاهلية بامتياز، كأن يقول، في غير مرة:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه           يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

ومن لا يصانع في أمور كثيره             يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم( )

وهكذا، والمهم في المسألة أن زهير بن أبي سلمى يمثل، بحق، شعر الحكمة، مما يمنحه الامتياز، كإيقاع شخصي من درجة الظاهرة إزاء، على الأقل، مجايليه من الشعراء، إن صح أن أغلب فحول الجاهلية كانوا قد ظهروا جميعا في أوقات مقاربة لبعضهم البعض، وهو ما لم يحدث، وإن وضعه النقاد في طبقة واحدة مع امرئ القيس، والنابغة، والأعشى، وهي الطبقة الأولى، بدليل قولهم "كان أشعر الناس امرأ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب"( ). ويأتي امتياز زهير في عصره بالحكمة، على وجه الاختصاص، لتعمده ذلك كثرة، لا مثلما حصل مع طرفة في معلقته من حيث ندرتها، فيما لا يخل بقوة ونفاذ هذه الأخيرة بطبيعة الحال.

          .2.2 النقائضيون

          .3.2 أبو نواس والغزل بالمذكر

          .4.2 المتنبي ومخاطبة الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب

          في العصر الإسلامي يبدو، بالإضافة إلى الأموي، أن لا وجود لظاهرة معينة، اللهم فيما يتعلق بالنقائض، وهو ما يشترك فيها أكثر من شاعر على وجه موضوعي (من الموضوع، أو الغرض)، لا تقني، يتفرد به شاعر بعينه، كظاهرة تتعدد بالسمات ذات الخصائص الأسلوبية. أما في العصر العباسي الثاني، فإن الإيقاع الشخصي من الدرجة الثانية، كظاهرة، يمثلها كأدق ما يكون عليه التمثيل، الشاعر أبو نواس، بما ابتدعه على وجه الابتداء، والكثرة في شعره من الغزل بالمذكر، ضمن دعوته إلى تجديد الشعر، بالتخلي عن الطللية. الدعوة، التي يرجع محمد مندور السبب في موتها سريعا، لأنها "لم تكن من الناحية الفنية ضرورة حتمية، وبخاصة وأنها لم تعد أن تكون محاذاة للشعر القديم، والمحاذاة أخطر من التقليد، وذلك لأننا كنا نفهم أن يدعو إلى نوع جديد من الشعر، وأما أن يحافظ على الهياكل القديمة للقصيدة مستبدلا ديباجة بأخرى وأن يدعو إلى الحديث في موضوعات لا تستطيع أن تحرك نفوس الجميع فذلك ما لا يمكن أن يعتبر خلقا لشعر جديد. ولو أننا أضفنا إلى ذلك أن دعوته كانت مشبوبة بروح الشعوبية والغض من شأن العرب وتقاليد العرب، وأن معظم الأغراض التي طرقها كان العرب قد سبقوا إليها، وإن ما لم يسبقوا إليه شيئا تافها كالغزل بالمذكر"( )، وبعيدا عن الأحكام، التي ضمنها محمد مندور في تحليله السابق، بخصوص تجربة أبي نواس، من حيث لم تثر صراعا فنيا، كما حصل مع أبي تمام، فإن الغزل بالمذكر يحتسب لأبي نواس كإيقاع شخصي، ولو من الدرجة الثانية. فبمجرد أن نقرأ البيت القائل -أو أمثاله-:

من كف ذي غنج حلو شمائله                 كأنه عند رأي العين عذراء( )

يشرق صوت أبي نواس، حتى وإن لم يكن -أمثاله- له، فهو من إيقاعه الشخصي عبر العصور، بدليل أن أحدا من الشعراء لم يقترب من هذا الإيقاع، ولو على وجه التقليد، لسبب سلف الإشارة إليه، وقد أشار ضمن ما أشار إليه محمد مندور الذي نوافقه تفسيره بهذا الصدد، في الوقت الذي نحن ملزمين هنا، برصد الظواهر الإيقاعية على وجه الخصوصية، لا تعليلها، وتقييمها بموازين الأخلاق والتقاليد، أو علوم النفس والاجتماع وغيرهما، كما فعل العقاد في كتابه "أبو نواس-الحسن بن هانئ"، لكن مع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن القصيدة الشعرية كقصيدة شعرية، بحق، لا يمكن بأي وسيلة إسقاطها من الشعر لأسباب ترجع للموضوع الذي تتضمنه، أو الغرض الذي نصبت خيمتها من أجله. وذلك واحد من أسرار الشعر. وفي العصر العباسي الثاني سنرصد إيقاعا شخصيا من الدرجة الثانية، كظاهرة، على وجه الابتداء، كما حصل مع أبي نواس، مع الفارق، في العصر العباسي الأول، يتجسد في تلك الملاحظة الذكية التي كشف عنها الثعالبي، وعلق عليها محمد مندور، في أن "المتنبي يخاطب الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب، ثم استعمال ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد. يقول الثعالبي: "عن مخاطبة الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب، إن هذا مذهب تفرد به المتنبي. واستكثر من سلوكه، اقتدارا منه وتبحرا في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجا لها إلى مماثلة الملوك، في مثل قوله لكافور:

وما أنا بالباغي على الحب رشوة            ضعيف هوى يبغى عليه ثواب

وما شئت إلا أن أدل عواذلي                  على أن رأيي في هواك صواب

واعلم قوما خالفوني فشرقوا                  وغربت أنى قد ظفرت وخابوا

وقوله له:

ولو لم تكن في مصر ما سرت نحوها بقلب المشوق المستهام المتيم

وقوله لابن العميد:

تفضلت الأيام بالجمع بيننا                فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد

فجد لي بقلب إن رحلت فإنني             مخلف قلبي عند من فضله عندي

وكقوله لسيف الدولة:

مالي أكتم حبا قد برى جسدي              وتدعي حب سيف الدولة الأمم

إن كان يجمعنا حب لغرته                  فليت أنا بقدر الحب نقتسم

ويقول عن "استعمال" ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والمجد، (ص 141 وما بعدها)، إن هذا أيضا مذهب لم يسبق إليه وتفرد به وأظهر الحذق بحسن النقل، وأعرب عن جودة التصرف والتلعب بالكلام كقوله:

أعلى الممالك ما يبنى على الأسل             والطعن عند محبيهن كالقبل

وقوله وهو من فرائده:

شجاع كأن الحرب عاشقة له                 إذا زارها فدته بالخيل والرجل

ويورد المؤلف أمثلة أخرى غير قريبة الدلالة على ما يريد.

هذا ما يقوله صاحب اليتيمه، والذي لاشك فيه أن له فضل ملاحظة الظاهرة ثم فضل تعليمها. وفي الأمثلة التي يوردها ما يقطع بصحة ما يقول، وأما التعليل فواضح النقص، وذلك لأنه لا يكفي أن نرى في ذلك مهارة فنية ورغبة من الشاعر في رفع نفسه إلى مرتبة ممدوحه، فتلك ظاهرة أعمق في تاريخ الشاعر وطبيعته النفسية مما ظن الثعالبي"( ). وقد أدرجنا هذا النوع من التجديد، وإن كان على وجه الابتداء، ضمن الظاهرة، وأيدنا في ذلك محمد مندور. ذلك لأن كلمة مذهب التي جاءت في كلام الثعالبي، وصفا، لهذه الظاهرة أوسع من أن نطلقها على السمات التي بورودها، كثرة، في عموم التجربة الشعرية لأي شاعر تشكل ما اصطلح عليه بالظاهرة كإيقاع شخصي من الدرجة الثانية، لتعلقها بالجزئيات. في الوقت الذي يتعلق الأسلوب، كإيقاع من الدرجة الأولى، بالخطوط الرئيسة العامة أفقيا وعموديا، في التجربة الشعرية برمتها، مما لا مجال لجهلها، أو عدم القدرة في إنسابها إلى مبدعها الأصيل.

          .5.2 الطغرائي والقصيدة التي تجري مجرى المثل

          وإلى أن يجيء الطغرائي -من بعد المتنبي-، فيما يتعلق بالظواهر الإيقاعية، فيما سمى بعصر الانحطاط، نكون قد تجاوزنا مسافة زمنية تبدأ بالشريف الرضي، وتنتهي بأبي العلاء المعري، ممن لم نجد عندهما ما يمكن أن يدخل ضمن هذا النسق. ففي عصور الانحطاط تظهر القصيدة المثلية كظاهرة، منذ البيت الأول حتى الأخير منها، والمرجعية في ذلك، لاشك، هو صالح بن عبد القدوس، الشاعر الذي ظهر في العصر العباسي، كشاعر كبير حد أن "كان بعضهم يشبه الطائي بصالح بن عبد القدوس في الأمثال، ويقول لو كان صالح نشر أمثاله في تضاعيف شعره وجعل منها فصولا من أبياته لسبق أهل زمانه وغلب على مد ميدانه -قال ابن المعتز وهذا أعدل كلام سمعته"( ). وبالعودة إلى بعض نماذج صالح بن عبد القدوس، وخصوصا، فيما تعلق بقصيدته البائية الروي، التي نختار منها التالي، على وجه الاستهلال، فالتخلص، فالخاتمة:

صرمت حبالك بعد وصلك زينب          والدهر فيه تغير وتقلب

ذهب الشباب فما له من عودة               وأتى المشيب فأين منه المهرب

وعواقب الأيام في غصاتها                 مضض يذل له الأعز الأنجب

اختر قرنيك واصطفيه مفاخرا             إن القرين إلى المقارن ينسب

واحذر مصاحبة اللئيم فإنه                  يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب( )

ندرك مدى تأثير هذا الشاعر في الطغرائي وغيره ممن سلكوا الطريق نفسه، كابن الوردي، فالصفدي، فابن المقري إلى حد المشابهة، والاختلاط، وما أفرزه ذلك إلى اليوم من دواوين كثيرة نسبت إلى أئمة لا علاقة لهم، بها، وبالشعر، كالديوان المنسوب للإمام علي(ع)، والشافعي (الإمام الفقيه صاحب المذهب المشهور) وغيرهما مما يدخل ضمن الشعر، ومما يدخل ضمن النثر، وإن وزن وقفي، في إطار الثقافة الشعبية المسكوت عنها على الأقل، أثناء تحليل العصور الشعرية من وجهة نظر أكاديمية، لأسباب علمية بحته، بكل تأكيد. نفطن أغلبها، لكن ليس هنا مجالها، الآن. وعليه، فنظرة سريعة في بعض قصائد هؤلاء الشعراء الذين كانوا قد أتوا واحدا بعد الآخر في عصور الانحطاط، والطغرائي على وجه الخصوص، تتضح لنا أبرز معالم هذه الظاهرة (ظاهرة قصيدة المثل) على النحو الذي ذهب فيه صالح بن عبد القدوس من قبلهم، من حيث لم يخرجوا عليه إلا فيما يخص البحر الشعري، والقافية. في الوقت الذي لم يخرجوا على بعضهم في أشهر قصائدهم التي سميت فيما بعد باللاميات من حيث الأسلوب، خصوصا فيما يتعلق باتخاذهم لفعل الأمر كمقود للقصيدة برمتها، أثناء مخاطبتهم الاخر المعني بالنصيحة، علاوة وهو الأهم، على شيوع الصياغة المثلية دون اعتبار لسوى ذلك من حيث مناسبة اللفظ للمعنى، إذ لا مجال هنا للتخييل على النحو الذي لا نطمح من شعراء عصور الانحطاط إلا فيما كانوا قد صدروه. يقول الطغرائي من قصيدته الشهيرة اللامية:

حب السلامة يثني هم صاحبه              عن المعالي ويغري المرء بالكسل

فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا                   في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل

يرضى الذليل بخفض العيش يخفضه     والعز عند رسيم الأينق الذلل

أعلل النفس بالآمال أرقبها                   ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

فإنما رجل الدنيا وواحدها                   من لا يعول في الدنيا على رجل( )

          وهكذا يجري البقية من الشعراء مجرى الطغرائي، في نظم المعاني، انطلاقا، من الذاكرة، لا التجربة في ذلك الاتون الذي احترق به الأصلاء من الشعراء، كالمتنبي في أنضج عصور الشعر.

          .6.2 أحمد شوقي والعودة بالفرع إلى الأصل

          يأتي أحمد شوقي في عصر النهضة مخترقا، على وجه الذهاب، فالإياب، عصور الاجترار إلى المتنبي وغيره في عصورهم البعيدة عنه، معيدا، وصل الخيط الذي انقطع، بالعودة إلى القصيدة التي لا تتعمد -على النحو الذي رأينا مع الطغرائي وأصحابه- نظم المنثور، أو إعادة صياغة الموجود بقدر احتفاءها بما نتج، كثمرة للتجربة الإنسانية نفسها، في انبثاق الصياغة (صياغة التجربة) من نفسها كالضوء من الضوء، أو كالفرع من الأصل في الشجرة الكبيرة: شجرة القصيدة الوارفة الظل. وأحمد شوقي، إن لم يأت بجديد على النحو الذي حصل مع أبي تمام وغيره، فجديده: كإيقاع شخصي، من درجة الظاهرة، يتجسد في صياغته، وإعادة صياغته على نحو معجز، أحيانا، لكثير من المعاني التي تسارقها الشعراء عن بعضهم البعض، جيلا بعد جيل، أو عبر انطلاقتهم من الباب نفسه الذي انطلق منه شوقي، بعد فتحه على مصراعيه، بكلمة الجاحظ الشهيرة: "المعاني مطروحة على الطريق". نقرأ من قصائد شوقي، التالي مما شاع، كظاهرة إيقاعية له، بها حق له التميز، كشاعر كبير، سواء ما جرى مجرى الأمثال، أو ما كان قد سار مسار العظة، والحكمة، وذلك بعد مرور الشاعر بأبيات تمهد لها بطريقة لاواعية، وواعية في نفس الآن، من حيث اقتضت خروجها طبيعة التجربة ولادة، لا إقحاما، كأن نقرأ النموذج التالي، بالبيت الممهد له، في منتصف، أو أواخر، أو بعد المقدمة بقليل، من القصيدة:

                    إن ملكت النفوس فابغ رضاها

                                                          فلها ثورة وفيها مضاء

                      يسكن الوحش للوثوب من الأسر

                                                          فكيف الخلائق العقلاء( )

أو عندما يقول من قصيدة أخرى، كان قد عارض بها أبا تمام:

لا الصعب عندهم بالصعب مركبه ولا المحال بمستعص على الطلب

    ولا المصائب إذ يرمى الرجال بها بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب( )

إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال هنا لرصده، وحصره، وتلك مزية شوقي، والمتنبي من قبله، على وجه الشاعرية: حلاوة في اللفظ، وجمالا وعمقا في المعنى، وقوة ووثوقا في الصياغة.

          .7.2 الشابي ومزجه الخطاب الثوري بالرومانسي

وإلى أن يأتي الشابي في عصر متداخل، مع عصر شوقي، من قبل، وشعراء الحداثة، من بعد، ليحدث فيه الشابي ظاهرة دون غيره من شعراء جيله، أو السابقين له، مما يجعلنا مترددين في إدراجها من عدمه، في غير هذا التصنيف. لكن، ما يحسم المسألة عندنا، هو أننا بصدد النمذجة على مستوى العصور بتجارب الأفراد، لا على مستوى التجربة الشخصية للشاعر الفرد نفسه. تتجلى هذه الظاهرة، كأبرز ما يكون عليه الشاهد في مزجه على نحو متفرد، الخطاب الثوري بالرومانسي، وهو ما لم يفطن إليه شوقي ضيف في كتابه: "دراسات في الشعر العربي المعاصر" المتضمن لدراسة بعنوان: "الإحساس الحاد بالألم عند الشابي"، لمسألة تتعلق بالوعي الفني لديه، إزاء تجربة الشابي على الأقل، من حيث رأى أن المسألة برمتها متعلقة بالشعر السياسي، أو الوطني الذي "كان منتشرا في كل بلاد الشرق الأوسط في مصر والشام والعراق، ولكن شاعرا لم يبلغ في هذه البلدان ما بلغه الشابي في تونس من حدة الإحساس وعنفه"( ) وذلك بإرجاعه المسألة إلى الذات (ذات الشاعر) لا إلى النص، كظاهرة، لم نجدها عند غير الشابي مطلقا، عبر ذلك المزج الرائع بين الطبيعة والثورة، مما يمنح التجربة قوة وصلابة في مواجهة الظالم، بمثل قوله -علما أن هذه الظاهرة تتمتع بوجودها في أغلب تجربته، إن لم تكن كلها، فيما يخص هذا المضمار-:

ألا أيها الظالم المستبد                        حبيب الفناء عدو الحياه

سخرت بأنات شعب ضعيف               وكفك مخضوبة من دماه

وعشت تدنس سحر الوجود     وتبذر شوك الأسى في رباه

رويدك لا يخدعنك الربيع                   وصحو الفضاء وضوء الصباح

ففي الأفق الرحب هول الظلام              وقصف الرعود وعصف الرياح

حذار فتحت الرماد اللهيب                   ومن يبذر الشوك يجن الجراح

تأمل هنالك أنى حصدت                     رؤوس الورى وزهور الأمل

ورويت بالدم قلب التراب                    وأشربته الدمع حتى ثمل

سيجرفك السيل سيل الدماء     ويأكلك العاصف المشتعل( )

فتأمل القصيدة، إذ لا حاجة بنا إلى تفسير -بالدليل- ما هو واضح وجلي، كأبهى ما يكون عليه المثال سواء فيما يتعلق بالجماليات، أو الأفكار في تآزر مع الطبيعة، من حيث استطاع الشاعر تحريضها غضبا ضد الظالم، واستنطقها دويا، وعاصفة، واشتعالا، مما يمنح التجربة قوتها ووثوقها بامتياز.

          .8.2 بدر السياب واستعمال الأساطير

          مع بدر شاكر السياب، كنموذج، فيما بعد، بسنين، ستنتشر ظاهرة إيقاعية جديدة، لم تكن موجودة من قبل في تاريخ الشعرية العربية قديمها والمعاصر. وهي ظاهرة استعمال الأساطير، والرموز التاريخية، لا بالصورة التي ظهرت عند الرومانسيين العرب، فـ"الممارسات النصية العربية الرومانسية كثيرا ما نسجت خطابها اعتمادا على عنصر الأسطورة، كدال من الدوال النصية"( ) من حيث أن "هجرة الأسطورة اليونانية القديمة من الثقافة الأوربية إلى الشعر العربي المعاصر خضعت لمعارف وقوانين مباينة لهجرتها إلى الرومانسية العربية"( ). يرى بدر شاكر السياب الذي اطلع على إديث ستيول وت.س.إليوت بالإنجليزية مباشرة "أن الشاعر المعاصر عاد إلى الأساطير، إلى الخرافات، ليستعملها رموزا، ويبين منها عوامل يتحدى بها منطق الذهب والحديد. كما أنه راح من جهة أخرى، يخلق له أساطير جديدة، وإن كانت محاولاته في خلق هذا النوع من الأساطير قليلة حتى الآن"( )، وهو بهذا يكشف عن "ركائز نظرية تختلف عن تلك التي يؤمن بها ت.س.إليوت، ولذلك فإنها تعرضت لقلب دلالتها في سياق النص الشعري المعاصر، فيما هي اكتسبت وضعية الدال الإيقاعي، إضافة إلى أن وظائف استعمال الأسطورة تعددت" على حد محمد بنيس( )، ولأن "السياب من أوائل الشعراء الذين وجدوا في الأسطورة معادلا لهاجسهم الشعري، فراحوا يفرغونه في رموزها ونماذجها، حتى تحصل لدى الشعر الحديث العديد من النصوص التي تعيد إنتاج الأسطورة شعريا. ولنقرأ السياب في مقبوس يعالج فيه تراجيدية المومس العمياء بوصفها نموذجا للطبقة الكادحة المستلبة، وذلك من خلال تراجيدية الملك أوديب، في أسطورته المعروفة:

من هؤلاء العابرون

أحفاد "أوديب" الضرير ووارثوه المبصرون

"جوكست" أرملة كأمس

، وباب طيبة ما يزال

يلقي "أبو الهول" الرهيب عليه، من رعب الظلال

والموت يلهث في سؤال

لقد قالت الأسطورة، في هذا المقبوس، ما أراد السياب قوله، مما دفعه إلى إنتاجها حسب الإيقاع الشعري العربي"( ).

          وهكذا تستطيع أن تجد غير ذلك في تجربة ما، على وجه الظاهرة، مما تميز به السياب، في الوقت الذي كانت الأسطورة علامة رئيسه، تم بها التعرف على الشعر العربي المعاصر بامتياز( ).

.3 الإيقاع الشخصي من الدرجة الثالثة كسمات

          .1.3 الحارث بن حلزة والتدوير في العروض الشعري

          يتحقق الإيقاع الشخصي معنا، هنا، بما هو الجزئي من الظاهرة، كسمة دالة عليه (أي على الإيقاع)، فيما يتعلق بالصياغة الشعرية بطبيعة الحال، على اعتبار أن رصدنا هذا يقوم، أساسا، على العنصر المحسوس المتعلق بالبناء. وإذا كانت الظاهرة عبارة عن مجموعة من السمات تعددا، واختلافا، وهو ما يندرج تحت ما كنا قد مثلنا له تصنيفا كإيقاع شخصي من الدرجة الثانية قبل قليل، فإن السمة، كإيقاع من الدرجة الثالثة، من حيث رصدنا لجزئية فريدة تدل على تجربة الشاعر، كونها دالا رئيسا نابعا منها، إزاء كل التجارب. فمن خلالها -على الرغم من جزئية الشاهد- يفصح الإيقاع الشخصي عن هويته كفعل شعري أولا، ثم كفعل تاريخي له سلطة البداية ثانيا، بدليل، مثلا، ما يمكن أن يحسب للحارث بن حلزة في العصر الجاهلي، فيما يتعلق "بالتدوير"، كسمة من سمات تجربته دون كل الشعراء في عصره، من حيث إكثاره منه، في معلقته الهمزية الشهيرة، التي تنتمي إلى البحر الخفيف (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن)، ويقول مطلعها:

آذنتنا ببينها أسماء              رب ثاو يمل منه الثواء

"والبيت المدور، في تعريف العروضيين، هو ذلك الذي اشترك شطراه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول وبعضها في الشطر الثاني. ومعنى ذلك أن تمام وزن الشطر يكون بجزء من كلمة"( )، وهو نفسه ما حصل مع الحارث بن حلزة، في أكثر من (60) بيتا، مما مجموعه: (80) بيتا تتشكل منها، عددا، القصيدة. وليس معنى ذلك أن الحارث بن حلزة أول من ابتدأ التدوير من حيث أن هذا الأخير طبيعي في العروض الشعري، بل وله فائدة شعرية "ذلك أنه يسبغ على البيت غنائية وليونة لأنه يمده ويطيل نغماته"( )، وإن كان أغلب الشعراء "بفطرتهم يتحاشون إيراد التدوير في بعض المواضع"( )، وخصوصا إذا انبنت القصائد على البحور الشعرية الممزوجة: كالطويل، والبسيط، والمجثث وغيرهما، ليس هنا مكانه، على الرغم من طرافة المسألة.

          .2.3 عمر بن أبي ربيعة وأسلوب الحوار

          ننتقل، كما هي العادة، إلى العصر الأموي، متجاوزين العصر الإسلامي، إذ لم نلحظ شيئا مهما يمكن رصده، ومن ثم إدراجه هنا- في شخص الشاعر عمر بن أبي ربيعة، مركزين على عنصر الحوار الذي تكاد تجربته برمتها تقوم عليه، الأمر الذي -على اعتبار أنه يندرج ضمن الجزئيات فنيا في التجربة- يهمنا نمذجته هنا على وجه السمة، كإيقاع شخصي له دون غيره من الشعراء العذريين، أو النقائضيين، في عصره. كأن نقرأ له التالي، من قصيدته الشهيرة الرائية:

بآية ما قالت غداة لقيتها                        بمدفع أكنان: "أهذا المشهر؟"

أشارت بمدراها وقالت لأختها                "أهذا المغيري الذي كان يذكر"

"أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن               وعيشك أنساه إلى يوم أقبر

"فقالت: نعم لاشك غير لونه                  سرى الليل يحي نصه والتهجر"

"لئن كان إياه لقد حال بعدنا       عن العهد والإنسان قد يتغير"( )

والحقيقة أن هذه السمة، لم يكن إليها عمر بن أبي ربيعة سابقا، وقد أكثر منها، من حيث رصدناها عند غيره ممن سبقه من الشعراء، كامرئ القيس، مثلا، الذي يقول في معلقته:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة             فقالت لك الويلات إنك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا                عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

فجئت وقد نضت لنوم ثيابها                            لدى الستر إلا لبسة المتفضل

فقالت: يمين الله مالك حيلة                  وما إن أرى عنك الغواية تنجلي( )

، أو كأن يقول الأعشى في لاميته المشهورة:

                      قالت هريرة لما جئت زائرها

                                                "ويلي عليك وويلي منك، يا رجل"( )

وغيرهما، خصوصا فيما يتعلق بالغزل، كتجربة انتقل الشاعر فيها من الوصف (وصف محبوبته كجسد، أو كطباع، أو ما شاكل ذلك)، من جانب واحد، إلى الحوار، كعنصر مهم، يمنح الشاعر فيه الجانب الآخر حق المشاركة، مما يحقق للتجربة الحيوية، والطرافة، والحركة، مثلما هو واضح في نموذج الأعشى. فمن خلال عجز البيت وحده يكون الشاعر قد نجح في تقديمها لنا (أي محبوبته)، كعاشقة ملهوفة، بالإضافة إلى ما يوحيه، بشأنها، من أنوثة، وغنج، ودلال.

          .3.3 ابن الرومي والتزام حركة ما قبل حرف الروي

          .1.3.3 المتنبي "وذا" للإشارة

          وبشأن العصر العباسي الأول الذي يمثله -معنا، هنا، في التصنيف- ابن الرومي، والعصر العباسي الثاني الذي يمثله المتنبي، نكتفي بما قدمه لنا كل من: ابن رشيق، بخصوص ابن الرومي، عندما أشار برصده إلى سمة مهمة في تجربة ابن الرومي، على وجه العظمة والاقتدار، كون هذا الأخير "يلتزم حركة ما قبل حرف الروي في المطلق والمقيد في أكثر شعره اقتدارا"( ) كتجربة شخصية. أو القاضي الجرجاني بخصوص المتنبي من حيث أن هذا الأخير "أكثر الشعراء استعمالا لذا التي هي للإشارة"( ). ولقد رجعنا إلى الديوانين لهذين الشاعرين، فوجدناهما كذلك، وذلك -بشأن ابن الرومي تحديدا- بعد استضائتنا بمقدمة أبي العلاء المعري لـ"اللزوميات".

          .4.3 أحمد شوقي وعنوان القصيدة

وبتجاوزنا لعصور الانحطاط كما هي العادة غالبا، نلتقي بأحمد شوقي، من خلال رصد محمد حسين هيكل في مقدمته للشوقيات، لسمة تميزت بها أغلب أشعار شوقي. من الممكن إدراجها هنا، وذلك فيما يتعلق بما كان قد عبر عنه بقوله: "وهو شاعر اللغة العربية السليمة، وانك لتعجب أكثر الأحيان حين ترى عنوان قصيدة من قصائده ثم لا تجد في القصيدة غير أبيات معدودة تدخل في موضوع العنوان، بينا سائرها حكمة أو غزل أو وصف أو ما شاء لشوقي هواه، وما أحسب شاعرا بالغ في ذلك ما بالغ شوقي، ولست أضرب لك مثلا (...) إلا بقصائد ثلاث: لجان التموين، والانقلاب العثماني، وبين الحجاب والسفور"( ).

          من حيث لا يوجد بشأن تجربة شوقي أدق من هذا المثال، على نحو السمة، كعلامة نتعرف من خلالها على شعره الذي يشبه أغلب العصور الثقافية العربية القديمة، ولا نقول يأتلف معها، وإن تفوق على بعضها. وقد صح ذلك، خصوصا، فيما يتعلق بتجربته الشعرية، بعد عودته من منفاه بإسبانيا - على حد طه حسين( ).

          .5.3 الشابي والإكثار من استعمال الظروف

أما الرومانسيون - من خلال الشابي، فالذي من الممكن رصده، هو إكثاره من استعمال الظروف الزمكانية، كسمة تتميز بها تجربته دون غيره، على وجه الإيقاع الشخصي، من الدرجة الثالثة طبعا، كأن نقرأ له التالي، من قصيدته "إرادة الحياة"، و"تحت الغصون" و"إلى طغاة العالم":

ودمدمت الريح بين الفجاج                وفوق الجبال وتحت الشجر

    ظمئت إلى النور فوق الغصون           ظمئت إلى الظل تحت الشجر

    ظمئت إلى النبع بين المروج              يغني ويرقص فوق الزهر( )

ههنا في خمائل الغاب تحت الزان والسنديان والزيتون

    وسكرنا هناك في عالم الأحلام تحت السماء تحت الغصون( )

حذار فتحت الرماد اللهيب               ومن يبذر الشوك يجن الجراح( )

وغير هذه النماذج، فالتجربة (تجربة الشابي) تحفل بهذا الاستخدام للظروف على نحو لافت، حد تجاوزها السمة إلى الظاهرة، وإن أدرجنا هذا النوع من الاستعمال ضمن السمة، كإيقاع شخصي يتعرف بها إلى هويته الشابية، بامتياز.

          .6.3 أدونيس والنار كسمة إيقاعية

          وبأدونيس، نمثل عن الشعر المعاصر، من حيث استخدامه لكلمة: "النار"، مثلا، كسمة ضمن كلمات معينة، يبني بها أدونيس نسقه الإيقاعي الخاص به، على حد محمد بنيس، الذي كان قد رصدها محللا تجربة أدونيس أثناء معالجته لفضاء الموت في الشعر المعاصر من حيث "يتقدم شعر أدونيس ليسكن باستمرار حدود الموت. وعلامة السكن هي النار المتهججة من غير هوادة. يمكن لقارئ هذا الشعر أن يلمس فيه التلازم الصارم بين النار والموت، منذ القصيدة الأولى، التي يبدأ بها المجلد الأول من أعماله الكاملة، ونعني بها قالت الأرض، إلى القصائد الأخيرة"( ). فالنار هي سمة رئيسة نتعرف بها إلى إيقاع الشاعر، لأنها لم تعد مجرد كلمة، بإصباحها دالا من دوال إيقاعه الشخصي، بامتياز. وهو ما يمكن أن يتحقق عند شاعر آخر، كالماء مع السياب( )، أو التراب عند درويش( )، أو العشب لدى المقالح( )، أو الخيل في تجربة المتنبي( ) وهكذا. نورد المقطع التالي، لأدونيس للدلالة على ذلك، الذي كان قد استشهد به محمد بنيس ضمن ما استشهد به، تحت عنوان فرعي هو: "بناء العناصر واكتشاف التسميات"، لمحور فضاء الموت الرئيس:

يا لهب النار الذي ضمه

لا تكن بردا، لا ترفرف سلام

في صدره النار التي كورت

أرضا عبدناها وصيغت أنام

لم يفن بالنار ولكنه/عاد بها للمنشإ الأول

للزمن المقبل

كالشمس في خطورها الأول

تأفل عن أجفاننا بغتة

وهي وراء الأفق لم تأفل( )  )  أنظر إيليا الحاوي، نماذج في النقد الأدبي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط:3، 1969، ص: 227-228.

  )  نفسه، ص: 224.

  )  نفسه، ص: 223.

  )  محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 89-90.

  )  نفسه، ص: 167.

  ) نفسه، ص: 167.

  ) نفسه، ص: 167.

  )  أنظر ابن رشيق، العمدة، (م.س)، ص: 572.

  )  كمال أبوديب، جماليات التجاوز أو تشابك الفضاءات الإبداعية، دار العلم للملايين، بيروت، ط:1، 1997، ص: 83.

  )  محمود درويش، ورد أقل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:2، 1990، ص: 5.

  )  أنظر مقدمة زهير بن أبي سلمى، المكتبة الثقافية، بيروت، ط:1، 1968، ص: 15.

  )  الديوان نفسه، ص: 30.

  ) الديوان نفسه، ص: 31.

  ) الديوان نفسه، ص: 13-14.

  ) محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 78-79.

  )  أنظر عباس محمود العقاد، أبو نواس - الحسن بن هانئ، دار الرشاد الحديثة، القاهرة، ط بدون، السنة بدون، ص: 33.

  )  أنظر محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 315-316.

  ) محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 107.

  )  أنظر الجواهر المختارة من تراث العرب، جمعها محمد صالح البنداق، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط:1، 1979م، ص: 86.

  )  محمد صالح البنداق، الجواهر المختارة من تراث العرب، (م.س)، ص: 38.

  )  أحمد شوقي، الشوقيات، المجلد I، دار الكتاب العربي، بيروت، ط:10، 1984، ص: 19.

  )  نفسه، ص: 63.

  )  شوقي ضيف، دراسات في الشعر العربي المعاصر، دار المعارف، القاهرة، ط:7، سنة بدون، ص: 151.

  )  أبو القاسم الشابي، دار العودة، بيروت، ط:2، 2000، ص: 457.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 214.

  )  نفسه، ص: 214.

  ) نفسه، ص: 215.

  ) نفسه، ص: 217.

  )  انظر سعد الدين كليب، دراسة بعنوان: "جمالية الرمز الفني في الشعر الحديث"، مجلة الوحدة، المجلس القومي، السنة 7، العدد 83/83، ص: 37.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 214.

  )  نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط:7، 1983، ص: 112.

  )  نفسه، ص: 112.

  )  نفسه، ص: 113.

  )  أنظر مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة (مختارات شعرية)، دار طلاس، دمشق، ط:2، 1985م، ص: 283.

  )  الخطيب التبريزي، شرح القصائد العشر، تحقيق فخر الدين قباوه، دار الآفاق، بيروت، ط:4، 1980، ص: 40.

  ) مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة، (مختارات شعرية)، دار طلاس، دمشق، (م.س)، ط:2، 1985.

  )  ابن رشيق القيرواني، العمدة، (م.س)، ص: 299.

  )  القاضي الجرجاني، الوساطة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي البجاوي، المكتبة العصرية، بيروت، ط:1، 1966، ص:95.

  )  أحمد شوقي، الشوقيات، المجلد I، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: 10، 1984، ص: 15.

  )  أنظر طه حسين، تقليد وتجديد، (م.س)، ص: 90.

  )  ديوان أبي القاسم الشابي، دار العودة، بيروت، ص: 406.

  )  نفسه، ص: 414.

  )  نفسه، ص: 457.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3 - الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 221.

  )  أنظر نفسه، ص: 219.

  ) أنظر نفسه، ص: 227.



  )  أنظر ابن رشيق، العمدة، (م.س)، ص: 403.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 221.











الفصل الرابع

الشاعرية



.1 الشاعرية من الدرجة الأولى كمعارضة

          .1.1 تقاليد شعرية قديمة

          هناك الكثير من التقاليد الشعرية العربية القديمة المتعارف عليها بين الشعراء كمألوف وعادي، كأن يطلب شاعر من شاعر أن يقول شيئا في حقه، مثلما حدث لكعب بن زهير مع الحطيئة الذي كان حريصا على أن تكون له مكانته المرموقة بين شعراء عصره. فلقد سأل كعب بن زهير أن ينوه بشأنه، إذ كان يرى أنهما بقية "الكبار" من شعراء الجاهلية. وهكذا قال كعب أبياته المعروفة:

فمن للقوافي؟ شأنها من يحوكها؟             إذا ما نوى كعب وفوز جرول

يقول فلا يعيا بشيء يقوله                     ومن قائليها من يسيء ويعمل

يقومها حتى تقوم متونها                       فيقصر عنها كل ما يتمثل

كفيتك لا تلقى من الناس شاعرا              تنخل منها مثل ما اتنخل"( )

والمقصود بجرول هنا هو الحطيئة، على حين أن المقصود بكعب هو الشاعر نفسه كعب بن زهير. ومن التقاليد الشعرية، أيضا، ما كان يسمى قديما بـ"الأوابد" التي اشتهر بها على نحو مخصوص امرؤ القيس، حتى قيل في حقه أنه أول من قيد الأوابد( ). فقد "زعم الرواة أن عبيد بن الأبرص الأسدي لقي امرأ القيس فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال امرؤ القيس: الق ما شئت تجدني كما أحببت فقال عبيد [-من ضمن ما قال-]:

ما السابقات سراع الطير في مهل        لا تستكين ولو ألجمتها فاسا

فقال امرؤ القيس:

تلك الجياد عليها القوم قد سبحوا          كانوا لهن غداة الروع أحلاسا"( )

أو ما جرى ضمن ما سمي بالتشطير للأبيات، أو التلميط، أو التخميس، وهكذا، مما يطول في هذا المقام الذي نحن بصدد غيره، وإن كان ضمنه (أي التقاليد الشعرية)، فيما يسمى "بالمعارضة" التي تقوم بين اثنين من الشعراء، مجايلين لبعضهما، على وجه التحدي، لاستبانة الأشعر منهما، والأقدر، أو بين شعراء من أجيال متباعدة، على نحو ما سنراه، مع بعض الشعراء، في بقية العصور.

          .1.1.1 امرؤ القيس يعارض علقمة الفحل

          ومادمنا بصدد التمثيل للعصر الجاهلي، بشأن المعارضة، فليس ثمة أنضج مثال على ذلك إلا ما حدث مع امرئ القيس عندما "نزل به علقمة بن عبدة فتذاكرا الشعر وادعاه كل واحد منهما على صاحبه، فقال له علقمة: قل شعرا تمدح فيه فرسك والصيد، وأقول مثله؛ وهذه الحكم بيني وبينك -يعني أم جندب- فقال امرؤ القيس:

خليلي مرابي على أم جندب             لنقضي لبانات الفؤاد المعذب

فإنكما إن تنظراني ساعة                من الدهر تنفعني لدى أم جندب

ألم ترياني كلما جئت طارقا             وجدت بها طيبا وإن لم تطيب

إلى آخر الأبيات، فقال علقمة:

ذهبت من الهجران في كل مذهب               ولم يك حقا كل هذا التجنب

ليالي لا تبلى نصيحة بيننا                           ليالي حلوا بالستار فعرب

وهكذا على المنوال نفسه لامرئ القيس حتى خلط الرواة كل واحدة منهما بالأخرى، وأخذوا من هذه أبياتا وأضافوا إلى تلك، حتى عز التمييز بينهما"( ).

          .2.1.1 قصائد اليائيات والهجرة في الذاكرة

          في العصر الإسلامي، نستطيع الاستشهاد بأكثر من نموذج، لوفرة ما وجدناه، وإن لم يكن على النحو الذي حدث بين امرئ القيس وعلقمة على وجه القصدية والتحدي، كأن نقرأ لأبي محجن الثقفي المقطوعة التالية "التي قالها حين حبسه سعد بن أبي وقاص ولم يتح له شرف الاشتراك في الحرب الدائرة حينذاك في معركة القادسية:

كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا            وأترك مشدودا علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وأغلقت              مصاريع من دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وإخوة                فقد تركوني واحدا لا أخاليا

(...) ومن الطريف أن نلاحظ وجوه الشبه بين هذه القصيدة ويائية الشاعر الجاهلي عبد يغوث التي قالها في حبسه ينتظر الموت ويسترجع أمجاده وذكريات بلائه فيما خاض من حروب"( ). يقول عبد يغوث:

ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيا               فمالكما في اللوم خير ولاليا

ألم تعلما أن الملامة نفعها                    قليل وما لومي أخي من شماليا

أقول وقد شدوا لساني بنسعة                أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا

وتضحك مني شيخة عبشمية               كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا( )

مما تستبين المعارضة، بوعي من الشاعر المتأخر على المتقدم، دونما قصد أحيانا، لإبراز الشاعرية بقدر ما يمكن أن يكون، دقا، كحافر، على الحافر، نتيجة لمرور الشاعر بالتجربة نفسها التي كان قد مر بها الشاعر السابق عليه، مثلما هو جلي وواضح بين نصي: أبي محجن وعبد يغوث..، وحتى يأتي مالك بن الريب يكون نص عبد يغوث الحارثي قد هاجر في الذاكرة هجرات متعددة تقوى، وتضعف بحسب مقدرة الشعراء، في الوقت نفسه الذي -ويمكن ملاحظته بسهولة- أن التشابه القائم بين تجارب الشعراء هو الباعث الأساس لوجود مثل هذه المعارضة فحسب. فهذا مالك بن الريب التميمي، الذي سيقول قصيدته راثيا بها نفسه، مثلما حصل مع النموذج الأصل  –عبد يغوث ابتداء، ومن بعده أبي محجن، "وكان مالك من أجمل العرب جمالا، وأبينهم بيانا". فلما رآه سعيد بن عثمان بن عفان  –وكان معاوية قد ولاه خراسان- أعجب به وسأله أن يكف عما كان فيه من عداء وقطع طريق، وأن يصحبه في غزوه ففعل، إلى أن مات بخراسان، فقال يذكر مرضه وغربته وقال بعضهم بل مات في غزوة سعيد، طعن فسقط وهو بآخر رمق. وقال آخرون: بل مات في خان، فرثته الجان لما رأت من غربته ووحدته، ووضعت الجن الصحيفة التي فيها القصيدة تحت رأسه، والله أعلم أي ذلك كان"( ) يقول مالك:

فيا صاحبا إما عرضت فبلغن

                                  كما كنت –لو عالوا نعيك- باكيا

وعر قلوصي في الركاب فإنها                     تفلق أكبادا وتبكي بواكيا( )

وهي قصيدة طويلة، نكتفي بإيراد البيتين السابقين، من حيث أنهما يذكرانا ببيت عبد يغوث الحارثي من قبله الذي يقول فيه:

فيا راكبا إما عرضت فبلغن   نداماي من نجران أن لا تلاقيا( )

          .3.1.1 ابن الرومي يعارض دعبلا

          وهو ما يؤكد جنوح الشعراء إلى المعارضة لسبب أو لآخر، وقد قدمنا إلى حد الآن ثلاث نماذج تتحقق المعارضة في الإثنين المتأخرين منها لا على وجه الوزن والقافية، وبعض المعاني، إن لم يكن ثمة اتكاء على بعض الأساليب والصيغ الشعرية الجاهزة فحسب، وإنما من حيث، أيضا، المناخ العام للقصائد جميعها. وهو ما يختلف، وذهاب ابن الرومي، في العصر العباسي الأول، إلى معارضة دعبل، الذي يقول من قصيدته الثائية:

أتيت ابن عمران في حاجة              هوينة الخطب فالتاثها

تظل جيادي على بابه                    تروث وتأكل أرواثها

غوارث تشكو إلي الخلا                 اطال ابن عمران اغراثها( )

ليقول ابن الرومي معارضا:

أتيت ابن عمرو فصادفته                مريض الخلائق ملتاثها

فظلت جيادي على بابه                   تروث وتأكل أرواثها

غوارث تشكو إلى ربها                  اطال السبيعي اغراثها( )

والسبب، في ذلك، يعود إلى ما كان قد خلص إليه عباس محمود العقاد، في كتابه عن ابن الرومي، من حيث أرجع المسألة إلى ما له علاقة بالاعجاب، والاستملاح، "وربما كانت الرغبة في مجاراته إحدى دواعيه إلى الهجاء"( ).

          .4.1.1 بشار يأخذ من نونية جرير

          أو على المنوال –كنموذج ثان- الذي نسج عليه بشار بن برد، أثناء معارضته لنونية جرير الشهيرة، التي يستهلها، هذا الأخير، بقوله:

بان الخليط ولو طوعت ما بانا                وقطعوا من حبال الوصل أقرانا( )

          فقد عمد بشار إلى الأخذ من نونية جرير، مضمنا، لبعض الأبيات منها، قصيدته، ومعتمدا في بناء قصيدته المعارضة، على عنصر الحوار، كأن نقرأ التالي، من مطولته:

وذات دل كأن البدر صورتها                 باتت تغني عميد القلب سكرانا

(إن العيون التي في طرفها حور             قتلننا ثم لم يحيين قتلانا)

فقلت أحسنت يا سؤلي ويا أملي              فأسمعيني جزاك الله إحسانا

قالت فهلا فدتك النفس أحسن من     هذا لمن كان صب القلب حيرانا

(يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة             والأذن تعشق قبل العين أحيانا)( )

فالأبيات، ما بين قوسين لجرير، ماعدا البيت الأخير. والواضح –إن لم يكن لشاعر غير جرير بسبب ما يوحيه التقويس- أنه لبشار نفسه، من حيث أنه يعبر عن عمى هذا الشاعر، واعتماده الكلي على حاسة السمع، بالخصوص.

          .5.1.1 المتنبي في يائيته الجديدة

          بالنسبة لبقية العصور الشعرية، فيمكن التمثيل، بأبي الطيب المتنبي للعصر العباسي الثاني، عبر قصيدته اليائية، التي يقول في مطلعها:



                      كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

                                                          وحسب المنايا أن يكن أمانيا( )

التي عارض بها يائية جرير، من قبله والمستهلة بقوله:

                      ألا حي رهبى ثم حي المطاليا     فقد كان مأنوسا فأصبح خاليا( )

أو يائية قيس بن الملوح، أويائية أبي محجن، ومالك بن الريب، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، يقول عبد القادر القط، معلقا، على ذلك:

          "ففي هذه القصائد جميعا ذات القافية اليائية المطلقة ذلك الصراع بين القدرة والعجز أو بين الماضي والحاضر، أوبين الفرد والجماعة أو بين الإرادة والهوى. وفيها ذلك الأسى الشفيف واللغة السهلة والعبارات المناسبة التي تجيء كأنها من وحي تلك القافية المطلقة كأنها الآهة الممدودة"( ).

          .6.1.1 الصفدي ولامية الطغرائي

ويمكن التمثل، لعصر الانحطاط، بالشاعر الصفدي، الذي عارض بقصيدته اللامية:

الجد في الجد والحرمان في الكسل           فانصب تصب عن قريب غاية الأمل( )

قصيدة الطغرائي، من قبله، الذي كان قد قال مستهلا لاميته (التي سميت، فيما بعد، بلامية العجم):

أصالة الرأي صانتني عن الخطل          وحلية الفضل زانتني لدى العطل( )

          .7.1.1 شوقي والبناء على المعارضة

أو لعصر النهضة (حيث من سموا: بالتقليديين)، بأحمد شوقي، الذي يقول:

الله أكبر كم في الفتح من عجب               يا خالد الترك جدد خالد العرب( )

معارضا أبا تمام، في قصيدته البائية الشهيرة:

                      السيف أصدق أنباء من الكتب

                                              في حده الحد بين الجد واللعب( )

إلى غير ذلك من معارضات شوقي الشهيرة في "نهج البردة" للبوصيري، أو لغيره أمثال: البحتري، والحصري القيرواني، والمعري، وغيرهما، مما لا فضل لشوقي إلا في صقلها (أي القصائد المعارضة لغيره) بما تميز به من قوة شاعرية: حياة، وخيالا، لفظا عذبا، ومعنى قريبا فحسب.

          .8.1.1 الشابي يستدعي الحصري القيرواني

          وهو نفسه الأمر الذي سيحدث، كنموذج مع الشابي، في معارضته لقصيدة الحصري القيرواني، التي كان قد عارضها من قبله شوقي. قصيدة الحصري التي يبدأها، مناديا الليل، ومعتمدا بحرا، قل أن نظم الشعراء عليه من قبل. هذا إن لم يكن منعدما، ذلك إلا فيما يتعلق بالبيت أو البيتين. وهو بحر المتدارك لا بتفعيلته: (فاعلن)، وإنما بـ(فعلن) منها، مما أكسبها إيقاعا راقصا وطريفا، علاوة على اندراج قافيتها ضمن لزوم ما لا يلزم من القوافي  –وهو، ربما، ما دعا الشعراء إلى معارضتها- نقول يبدأها الحصري هكذا:

يا ليل: الصب متى غده                  أقيام الساعة موعده؟( )

في الوقت نفسه الذي يقول الشابي معارضا إياها، في قصيدة له بعنوان: "صفحة من كتاب الدموع":

غناه الأمس وأطربه                                  وشجاه اليوم فما غده

قد كان له قلب كالطفل                    يد الأحلام تهدهده

مذ كان له ملك في الكون                 جميل الطلعة يعبده( )

وهكذا تستمر المعارضات بين الشعراء، كتقليد، بعيدا عن أحكام النقاد التي قد تكون مجافية، من حيث عدهم هذا النوع من الإبداع ضمن التقليد لا التقاليد، مما لا نصيب للشاعر المعارض (بضم العين وكسر الراء) فيها، ولا ميزة سوى ما ينضوي تحت إعادة إنتاج النص، بشكل عامد، مما لا يضيف شيئا إلى التجربة الشعرية إلا إذا كان  –مثلما فعل المتنبي- على نحو التداخل النصي، بالمعنى الذي طرقه محمد بنيس، مفيدا، من جوليا ورولان بارت وغيرهما( )، لا الاقتباس بمفهوم الشاعريين القدماء، أو التضمين، أو التخميس، أو التشطير، أو الإغارة وما يعد منافيا للقيم الشعرية، أو الاغتصاب، أو السرقة، أو ما شابه ذلك.

          والفضل في الأخير  –بالنسبة لهذا الضرب مما يندرج ضمن محور الشاعرية كمعارضة- من الدرجة الأولى،يعود إلى المبتدئ الصياغة، قبل المعيد لها (أي إعادة الصياغة)، وإن تقدم هذا الأخير على الأول من حيث أن للأول فضل فض الطريق، والتمهيد للطراق من بعده.

          .9.1.1 المقالح وهوامش يمانية على تغريبة ابن زريق

          ولكي لا ندخل بهذه الملاحظة إلى ما لا يسمح به المقام، بالنسبة للمعارضة، كضرب من الدرجة الأولى في مفهوم الشاعرية، بهذا التصنيف، نختم الموضوع بعبد العزيز المقالح، كنموذج للمعاصرين فقد عارض بقصيدته المعنونة بـ"هوامش يمانية في تغريبة ابن زريق البغدادي"( ) قصيدة هذا الأخير، التي كان قد نظمها في غربته بالأندلس بعد أن صدمه عبد الرحمن الأندلسي من حيث لم يقض حاجته، وقد فارق ابنة عمة، فتذكرها فقال منها:

لا تعذليه فإن العذل يولعه                  قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

جاوزت في نصحه حدا أضر به         من حيث قدرت أن النصح ينفعه( )

إلى آخر القصيدة "قالوا وأراد عبد الرحمن بذلك أن يختبره فلما كان بعد أيام سأل عنه فتفقدوه في الخان الذي كان فيه فوجدوه ميتا وعند رأسه رقعة مكتوب فيها هذه القصيدة"( )، وهو ما يذكرنا بما قيل عن قصيدة مالك بن الريب، على وجه الشبه بين التجربتين لا من حيث المعاناة، والفراق، والموت وحسب، بل، بالإضافة إلى ذلك، والمكان، فالوضعية التي وجدوهما، وقصيدتيهما عليها. مما يدخل ضمن استدرار عطف القارئ، وإن كانتا في غير حاجة إلى ذلك، لتمتعهما بالشاعرية جمالا، وعذوبة، بامتياز.

.2 الشاعرية من الدرجة الثانية: (تعدد الأساليب)

          .1.2 كعب بن زهير والاعتذار الذبياني

          .1.1.2 الشعراء والتعددية في الأساليب المستعادة عبر العصور

          خلصنا فيما سبق من النمذجة للشاعرية من الدرجة الأولى، عبر قصائد تندرج ضمن مفهوم المعارضة في الشعرية العربية، سواء بما يتعلق بالقصيدة المعارضة (بضم الميم وكسر الراء)، و/أو القصيدة المعارضة (بفتح الراء) كمرجعية، أوكأرضية، أو كطريق حدث أن طرق من قبل، لننتقل، تدرجا، إلى نوع آخر من الشاعرية حيث القصائد التي تتعدد، بها، الأساليب المستعارة لشعراء آخرين. وشعراء هذا النوع من الشاعرية، كدرجة ثانية، لا يمكن إلا أن يكونوا -إن كانوا من الشعراء الكبار- قد تأثروا مستعينين بأصوات الآخرين على وجه البدايات. فإذا استمر ذلك معهم (أي استعارتهم لأساليب متعددة) على نحو الاستمرارية، فإن المسألة، من حيث أن هؤلاء الأخيرين سيظلون، كذلك، مقلدين لا كبارا، مثلما هو حاصل مع بعض التجارب الكبيرة أو الصغيرة. ومن خلال رصدنا ذلك للتمثيل لكل العصور كنماذج، كما درجت العادة، وجدنا أن هذه القضية، يندر أن نجدها في العصر الجاهلي، أو الإسلامي، أو الأموي، أوالعباسي الأول والثاني.... والسبب في ذلك يعود إلى تجاوز هؤلاء الشعراء لأنفسهم، بحثا، عن إيقاع شخصي يتميزون به دون سواهم، كما هي غاية المبدعين، وديدن الإبداع برمته. وإذا كان ولابد من التمثيل لذلك على وجه، أو آخر، فباستثناء العصر الجاهلي من حيث لا تسعفنا تجارب الشعراء للتمثيل لذلك لأسباب معروفة ليس هنا مكانها، نستطيع أن نضع قصيدة كعب بن زهير: "بانت سعاد"، كنموذج لقصيدة تتعدد بها الأساليب (الإيقاعات)، من حيث بنى، هذا الأخير، قصيدته إياها، على غرار نماذج سابقة في ذاكرته من العصر الجاهلي سواء فيما يتعلق بالاستهلال، أو الخلوص، أو الخاتمة، وإن وردت في بعض أبياتها ما يدل على أن المعتذر له هو الرسول(ص) كقوله:

          أنبئت أن رسول الله أوعدني       والعفو عند رسول الله مامول( )

على النهج نفسه، من الاعتذار، الذي نهجه النابغة الذبياني، وغيره من الشعراء الجاهليين.

وتنسحب المسألة نفسها في العصر الأموي على شعراء النقائض بحيث لا يمكن الحكم بتفرد واحد منهم بأسلوب خاص به يدل عليه، في الوقت نفسه الذي تتعدد الأساليب بأشعارهم، وهو ما ينسحب، أيضا، على العذريين، وإن على نحو آخر، فقصائدهم تكاد تخرج ببعضها بعضا من بعضها البعض، ككل متشابه. وفي العصر العباسي الأول، نستطيع اختيار واحدة من تجارب المتنبي المبكرة للتدليل على تعدد الأساليب بها حيث كان متأثرا بأبي تمام، ومسلم بن الوليد، وأبي العتاهية وغيرهم سواء فيما يتعلق بالبديع، أوغيره. وقد ترك، كل ذلك، المتنبي بعد استقلاله بأسلوبه منذ -تحديدا- نظم قصيدته الميمية التي تبدأ هكذا:

لا افتخار إلا لمن لا يضام    مدرك أو محارب لا ينام( )

وحتى نضج تماما بدءا بأول السيفيات التي يقول مستهلا إياها هكذا:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه                     بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه( )

ليأتي الشريف الرضي في العصر العباسي الثاني، معيدا، سبك الإيقاعات كلها، منذ امرئ القيس، حتى المتنبي. فما من قصيدة له –باستثناء الحجازيات، وبعض التجارب الشعرية التي تقدمه شاعرا كبيرا،- إلا وفيها أكثر من أسلوب، لشعراء أسلوبيين بعينهم، لا مجال هنا لذلك.

ومن عصور الانحطاط نختار صفي الدين الحلي، كنموذج، عبر قصيدته النونية الروي حيث ابتدأها بالخطاب التالي:

سلي الرماح العوالي عن معالينا

                                  واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا( )

مما يوحي، بعد قراءة سريعة لها، أن ثمة الكثير من الأصوات، لشعراء آخرين، ندلل على ذلك، مثلا، بقوله:

يا يوم وقعة زوراء العراق وقد            دنا الأعادي كما كانوا يدينونا( )

الذي يذكرنا، بقول أبي تمام:

يا يوم وقعة عمورية انصرفت             عنك المنى حفلا معسولة الحلب( )

أو قوله:

وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم              لقولنا أو دعوناهم أجابونا( )

الذي يعيدنا إلى قول السموأل بن عادياء:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم            ولا ينكرون القول حين نقول( )

أو قوله (أي الحلي):

قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة           يوما وإن حكموا كانوا موازينا( )

من قول عنترة:

لا أبعد الله عن عيني غطارفة               إنسا إذا نزلوا جنا إذا ركبوا( )

أو قوله:

لا يظهر العجز منا دون نيل منى          ولو رأينا المنايا في أمانينا( )

من قول المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا      وحسب المنايا أن يكن أمانيا( )

وغير ذلك، مما لا يمكن أن يحسب للشاعر شيئا سوى ما يتعلق بالوزن والقافية. فالقصيدة جميلة كأقوال محتدمة، ولكن لا أسلوب لها خاص سواه، من حيث تعدد الأساليب (نقصد تعدد إيقاعات الآخرين بها)، بعيدا، عن المعاني وما يندرج ضمن ما هو مباح، ومسموح.

          ينسحب الكلام نفسه المتعلق بصفي الدين الحلي على حافظ إبراهيم، كنموذج لشعر النهضة، لأسباب متشابهة جدا مع صفي الدين الحلي حيث أنهما يمثلان التقليدية، بإعادة إنتاجهما لنصوص سابقة، لا على نحو التداخل النصي كعملية معقدة، بل على وجه الاتكاء على الذاكرة، لا في المعاني فحسب، بل وأساليب البناء. كأن نقرأ، له، قصيدة كاملة بعنوان: "ذكرى مصطفى كامل باشا"، والتي يقول مطلعها:

طوفوا بأركان هذا القبر واستلموا        واقضوا هنالك ما تقضي به الذمم( )

من حيث نستطيع أن نجد بسهولة بعض أعضاء قصائد لشعراء آخرين، كالمتنبي، والفرزدق مثلا، كأن يقول حافظ: باتت تسائلنا في كل نازلة                  عنك المنابر والقرطاس والقلم( )

من قول المتنبي: 

الخيل والليل والبيداء تعرفني                 والسيف والرمح والقرطاس والقلم( )

أو كأن يقول حافظ:

 الله أكبر هذا الوجه أعرفه              هذا فتى النيل هذا المفرد العلم( )

وغير ذلك من الأبيات مما وردت بادئة بـ"هنا"، بدلا عن "هذا"، للشاعر الفرزدق، في ميميته المشهورة التي مدح بها علي بن الحسين(ع)، كما هو في الأبيات التالية لحافظ إبراهيم:

هنا الكمي الذي شادت عزائمه              لطالب الحق ركنا ليس ينهدم( )

هنا الشهيد هنا رب اللواء هنا               حامي الذمارهنا الشهم الذي علموا( )

هنا....إلى آخر الأبيات، ولولا ضيق الحال لاتسع بنا المقال، من حيث لا نريد له ذلك، خصوصا، ونحن بصدد التمثيل على وجه الإشارة، رصدا، لا استقراء...

          ولكي نستكمل الرحلة، عبر العصور والأزمنة، من حيث النمذجة لذلك، فمن الرومانسيين العرب نأخذ من قصائد الشابي: "شكوى ضائعة"، كنموذج لتعدد الإيقاعات فيها لشعراء آخرين، كجبران خليل جبران في قصيدته: "المواكب"، من حيث أن القصيدة الأولى، للشابي، تنبني على البحر نفسه -والقافية أيضا- الذي انبنت به مواكب جبران خليل جبران، بالإضافة إلى استعمال الشابي في قصيدته لبعض التعابير اللغوية التقليدية التي نستطيع لو دققنا النظر إحالتها إلى أصحابها، وما أكثرهم، لا لعيب في تجربة الشابي، فهو شاعر كبير، وإنما لطابع عام يعتور القصائد المبكرة، لأي شاعر عظيم، وقد سلف القول في هذه المسألة. يقول الشابي:

يا ليل ما تصنع النفس التي سكنت           هذا الوجود ومن أعدائها القدر

ترضى وتسكت هذا غير محتمل             إذا فهل ترفض الدنيا وتنتحر

وذا جنون لعمري كله جزع       باك ورأي مريض كله خور

فإنما الموت ضرب من حبائله                لا يفلت الخلق ما عاشوا فما النظر

قد أيقنوا أنه لاشيء ينقذهم                    فاستسلموا لسكونالرعب وانتظروا

ولو رأوه لسارت كي تحاربه                             من الورى زمر في إثرها زمر

وثارت الجن والأملاك ناقمة                             والبحر والبر والأفلاك والعصر

تمشي إلى العدم المحتوم باكية                            طوائف الخلق والأشكال والصور

وأنت فوق الأسى والموت مبتسم             ترنو إلى الكون يبنى ثم يندثر( )

فمثل الاستخدامات  التالية، لبعض الصيغ الجاهزة كـ"هذا غير محتمل-لعمري-كله جزع-كله خور-ضرب-حبائله-الورى- ترنو-الموت يبتسم" والتي تعود إلى أصولها، في قصائد قديمة، قيلت على نفس الوزن والقافية، علاوة على تشابه إيقاعها على وجه التقليد مع إيقاع جبران خليل جبران في "المواكب" -على الرغم من ضعف هذه الأخيرة- والتي نجتزأ منها التالي:

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا          والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

وأكثر الناس آلات تحركها                    أصابع الدهر يوما ثم تنكسر

وما الحياة سوى نوم تراوده                              أحلام من بمراد النفس يأتمر

فإن ترفعت عن رغد وعن كدر               جاورت ظل الذي حارت به الفكر

والموت في الأرض لابن الأرض خاتمة      وللأثيري فهو البدء والظفر( )

... الخ القصيدة

وبنـزار قباني ننمذج في الزمن المعاصر، بقصيدته "ترصيع بالذهب على سيف دمشقي" للشاعرية من الدرجة الثانية، لتعدد الإيقاعات بها، مما لا تخرج عن هذا التصنيف إلا في حدود قليلة جدا، وخصوصا فيما يتعلق بالكلمات فحسب، كـ"النوافير-سكر-مرايا-شراشف-مشط... الخ الكلمات التي تندرج ضمن المعجم الشعري المعاصر، فيما يخص اللغة المحكية. ولقد أبدع فيها نزار من حيث انتقاها على وجه الجماليات، وما يتعلق بطبيعة التجربة الشعرية عنده. فالكلمات مترعة، ومترفة.. نقول هذا تمهيدا لنقرأ، ما يمكن أن يكون نموذجا لما نحن بصدده، الأبيات الأولى من قصيدته، والتي يقول فيها:

1.أتراها تحبني ميسون                             أم توهمت والنساء ظنون

2.كم رسول أرسلته لأبيها              ذبحته تحت النقاب العيون

3.يا ابنة العم والهوى أموي             كيف أخفي الهوى وكيف أبين

4.كم قتلنا في عشقنا وبعثنا             بعد موت وما علينا يمين

5.ما وقوفي على الديار وقلبي                      كحبيبـي قد طرزته الغصون

6.هل مرايا دمشق تعرف وجهي      من جديد أم غيرتني السنون( )

لنقول أن التعدد قائم بدليل إحالتنا البيت الأول إلى شوقي -بطريقة، أو بأخرى- حين يقول:

أتراها تناست إسمي لما                  كثرت في غرامها الأسماء( )

والبيت الثاني إلى المتنبي في قصيدته التي يستهلها، هكذا:

ما لنا كلنا جوى يا رسول       أنا أهوى وقلبك المتبول( )

والرابع إلى قيس بن الملوح الذي يقول:

أمر على الديار ديار ليلى                  أقبل ذا الجدار وذا الجدارا( )

والخامس إلى إيليا أبو ماضي، حيث يقول:

وطن النجوم أنا هنا             حدق لتعرف من أنا

ألمحت في الماضي البعيد فتى غريرا أرعنا( )

أو غير ذلك مما هو جزئي، كهذه الأمثلة من قصيدته الطويلة: "نصر آت وفتح مبين-كن فيكون-بك عزت بعد هوان-سبع عجاف-صدق السيف وعده-وحده السيف اليقين-أين البيان والتبيين-لك الله حافظ وأمين… إلخ". فالقصيدة على روعتها، وانسجام ألفاظها، برقراق المعاني، علاوة على البحر الذي بنيت عليه والقافية.. إلا أنها تقول بتعدد الإيقاعات، بامتياز.

.3 الشاعرية من الدرجة الثالثة: (استعارة إيقاع)

          .1.3 استعارة إيقاع شعري بعينه

          تختلف الشاعرية من الدرجة الأولى كمعارضة، عن تعدد الإيقاعات (الأساليب) لشعراء آخرين في القصيدة الشعرية للشاعر الذي يصنف ضمن الشاعرية من الدرجة الثانية، في أن الشاعر، في الأولى، يعارض نصا شعريا، مجايلا له، لشاعر آخر، أو بعيدا عنه، على وجه الاستعراض في إثبات قدراته، وإمكانياته في اللحاق بركب الشاعر المعارض (بفتح الراء)، بل والتفوق عليه أحيانا مثلما حصل مع الشعراء الكبار. وقد سبق لنا التمثيل لذلك، بالعديد من الشواهد، من كل العصور. بينما في الدرجة الثانية من مفهوم الشاعرية، لدينا، تتعدد الأصوات الشعرية لشعراء آخرين، في نص الشاعر، تحت وطأة التأثر، خصوصا، فيما يتعلق بالتجارب المبكرة التي من الطبيعي أن يمر بها كل الشعراء -وقد مر بها منهم الكبار، أمثال المتنبي، وغيره- إلا من لم يكن له، كموهبة، سوى الوقوف عند هذه العقبة على مدى طول وعرض تجربته الشعرية، كما حصل مع حافظ إبراهيم مثلا، وغيره ممن يحصون بالمئات في عموم الثقافة العربية قديمها والمعاصر، والامتداد. ويبقى معنا في هذه اللحظة الإشارة بالشاهد إلى النوع الممكن إدخاله ضمن مفهوم الشاعرية من الدرجة الثالثة، على اعتبار أنها تختلف عن الأوليتين في مسألة واحدة، تعد عيبا كبيرا، إن استمرت، وذلك فيما له علاقة بمفهوم ما اصطلح عليه محمد بنيس يـ(النص الصدى) أثناء تحليله للتجارب الشعرية، في المحيط الشعري، من حيث المقابل لذلك، ما اسماه بـ(النص الأثر) في المركز الشعري( ). ونستطيع أن ننمذج لذلك بالكثير من الشواهد، والأسماء، وخصوصا فيما يتعلق بالعصور التالية: "الانحطاط"، و"النهضة"، و"المعاصر" فحسب، من حيث ليس في متناولنا الآن على الأقل، الشواهد بالنسبة للعصور السالفة عليها من جهة أولى. ومن حيث، أيضا، –وقد بحثنا- ترددنا في التمثيل بشيء في ذلك، لأسباب منها: أنه لم يتحقق في العصور: الجاهلي، والإسلامي، والأموي، والعباسي الأول، والعباسي الثاني أن احتفظ لنا الشاعريون بتجارب الشعراء الصغار، والذين من الممكن إن وجدت أن تكون لنا خير معين في دعم هذه المسألة بالدليل الملموس والمشاهد. وربما –بالنسبة لهؤلاء الشعراء الصغار- أن يكون، ما توصل إليه، الباحث محمد مندور، في كتابه المهم: "النقد المنهجي عند العرب" هو الحقيقة، بإرجاعه السبب في ذلك، تعليلا، إلى ما حدث في العصر العباسي من حيث "أخذ العرب يجدون في جميع تراثهم الروحي،وكان من الطبيعي أن ينصرف أول جهدهم إلى المحافظة على لغتهم من العجمة التي أخذت تتسرب إليها بعد الفتوحات، وعلى سلامة تلك اللغة يتوقف فهمهم لمصادر دينهم وهو أعز ما يملكون، ولذا حرص علماءهم على تدوين الشعر القديم يتخذونه حجة في تفسير القرآن والحديث، ولم يكن يشغلهم إذ ذاك جمال ذلك الشعر قدر ما شغلتهم صلاحيته للاستشهاد. فاتصال الشعر بالدين هو السبب الأكبر في الانتصار للقديم ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى الشعراء أنفسهم، إذ لم يروا بدا -لكي يروى عنهم شعرهم وينتشر- من أن يحاكوا الشعر القديم، لا في أسلوبه فحسب بل وفي بنائه الفني"( ).

          ويقصد محمد مندور، هنا، الكبار، من الشعراء، لا الصغار. فإذا كان الحال هكذا مع الشعراء الفحول، فما المصير الذي نتخيله لمن لا شأن لهم في الشعر من الخاملين، أو الأقل مواهب وتجارب، وثقافة؟ لذلك لم يكن لنا، من الأمر بد، في استثناء العصور السابقة، على العصور اللاحقة حتى الامتداد. قبل أن نلتقي، بأبي البقاء الرندي، كنموذج لعصر الانحطاط، نود الإشارة إلى أن ثمة شعراء في العصر الجاهلي، أو الإسلامي للشعر، كانوا قد اشتهروا -بعيدا عن ضخامة، وغنى، وثراء التجربة- بقصيدة، أو أكثر. كانوا، لو أكثروا منها على وجه النـزع المتواصل للمنبع لتفردوا إيقاعا: كذات، وخطاب، وأسلوب.. إلخ، ولكنهم -وربما يعود ذلك للأسباب المعروفة، فيما يخص التدوين- كانوا قد اكتفوا بغير قصيدة، مما يصعب تبين إيقاعاتهم، على النحو الذي طرأ مع الكميت، أو أبي تمام، أو غيرهما في العصور اللاحقة. إلا أنه من الممكن أن ننمذج لذلك على سبيل الاستئناس لا القطع، فقد رصدنا، مثلا، إيقاعا معينا، تواجد مرتين: مرة في العصر الجاهلي مع زهير بن أبي سلمى، ومرة ثانية مع أبي تمام في العصر العباسي الأول، ونستطيع تحسسه بالذائقة، علاوة على رصد بعض مفرداته. يقول زهير بن أبي سلمى، مادحا، من قصيدته اللامية الشهيرة - البحر الطويل-:

أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله                        ولكنه قد يهلك المال نائله

تراه إذا ما جئته متهللا                   كأنك تعطيه الذي أنت سائله( )

ويقول أبو تمام، مادحا، المعتصم من قصيدته اللامية -البحر الطويل-:

تعود بسط الكف حتى لو أنه            ثناها لقبض لم تجبه أنامله

ولو لم يكن في كفه غير روحه         لجاد بها فليتق الله سائله( )

فالإيقاع واحد، وخصوصا فيما يتعلق بأسلوب التصدير حيث أن كليهما يرد أعجاز الأبيات على صدورها، وإن أضاف أبو تمام إلى مزج ذلك التصدير بما عرف عنه، على وجه الإكثار، بالبديع: طباقا، وجناسا، وتصويرا، وتشخيصا، مما أمكن له الذهاب بالقليل مما طرقه الأولون من الشعراء ابتداء، إلى حيث الكثرة، والثراء والتنوع، والتعدد، كتجربة قائمة بنفسها، مؤتلفة، ومختلفة في الآن نفسه، على نحو عام وممتد، قصرا، على تجربته التي أسست فيما بعد لاتجاه، وفتحت، كأفق لغيره، ممن نهجوا نهجه، أو نزعوا منـزعه، بامتياز.

          وعودا على المسألة بعينها، نقول أن ثمة ما يمكن أن نجده على غرار هذين الشاهدين، كنماذج، تشابهت إيقاعاتها مما ضل معه الشاعريون فيها حيث أخطأوا في إنسابها إلى أصحابها الحقيقيين، وإن كانت النماذج تلك مقصورة، عددا، على غير بيت من الشعر. لكن مع أبي البقاء الرندي في عصور الانحطاط، سيختلف الوضع حيث أن قصيدة كاملة له تفصح، كشاهد قوي، عن ما أدرجناه من الدرجة الثالثة، في مفهوم الشاعرية حيث يعمد الشاعر إلى استدعاء إيقاع شاعر آخر، أو استعارة أسلوبه في نسج قصيدته برمتها. لأسباب معروفة، لعل، أهمها، يرجع إلى ضعف الموهبة، أو انعدامها. أو مع غير شاعر، فإن الأمر هين بالمراحل الأولى التي يمر بها الشاعر، وما تعنيه من ملابسات في الرؤية، وضعف في القدرة على الفكاك من أسر شاعر بعينه. نعود إلى أبي البقاء الرندي الذي توفي في 767هـ، لنقرأ قصيدته النونية التي "يرثي بها البلدان الأندلسية التي سقطت في أيدي الإسبان ويستنهض همة الدول الإسلامية لنصرة أهل الأندلس...، لنقرأ الأبيات التالية:

لكل شيء إذا ما تم نقصان              فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول              من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد    ولا يدوم على حال لها شان( )

وقبل أن نصل إلى آخرها، حيث يقول:

لمثل هذا يذوب القلب من كمد               إن كان في القلب إسلام وإيمان

نكون قد تذكرنا أثناء ذلك الإيقاع نفسه، فيها، الذي وجد، قبل أبي البقاء الرندي، بأكثر من (350) ثلاثمائة وخمسين عاما، عند الشاعر البستي، الذي كان قد جايل -على هذا الأساس من التاريخ- أبا العلاء المعري، كخاتم لشعراء العصور الذهبية، من حيث تاريخ ميلاده في 971م، ووفاته، بالهجري، في 400هـ. يقول الشاعر البستي، في مستهل قصيدته:

زيادة المرء في دنياه نقصان                       وربحه غير محض الخير خسران

وكل وجدان حظ لاثبات له  فإن معناه في التحقيق فقدان( )

إلى آخر القصيدة التي هي أيضا، كتجربة، امتداد لإيقاع كان قد أسسه على هذا الوجه، من قبل، الشاعر صالح بن عبد القدوس، الذي وجد في زمن بشار بن برد، في أواخر العصر الأموي، وبدايات العصر العباسي تقريبا، من حيث ميلاد ووفاة هذا الأخير ما بين: "714-789م". وقد قيل في حقه (أي صالح بن عبد القدوس) التالي: "وقد كان بعضهم يشبه الطائي [أبو تمام] بصالح بن عبد القدوس في الأمثال،ويقول لو كان صالح نثر أمثاله في تضاعيف شعره وجعل منها فصولا في أبياته سبق أهل زمانه وغلب على مد ميدانه - قال ابن المعتز وهذا أعدل كلام سمعته"( ) مما لا علاقة لأبي البقاء الرندي بالمعارضة، حيث إن لهذه الأخيرة شروطا، كنا قد أشرنا إليها في تضاعيف هذا التحليل، في الوقت الذي له علاقة بمفهوم ما اصطلحنا عليه باستعارة الإيقاع  الشخصي لشاعر آخر سابق عليه، أو مجايل له، فالأمر سيان. ويمثل التقليديين (في عصر النهضة) -وإن جاء متأخرا عليهم- الشاعر محمد محمود الزبيري، كشاعر من المحيط الشعري (اليمن)، وذلك بقصيدته التي يقول منها، سنة 1943م:

سجل مكانك في التاريخ يا قلم              فهاهنا تبعث الأجيال والأمم

هنا القلوب الأبيات التي اتحدت             هنا الحنان هنا القربى هنا الرحم

هنا الشريعة من مشكاتها لمعت             هنا العدالة والأخلاق والشيم

هنا العروبة في ابطالها وثبت             هنا الإباء، هنا العليا، هنا الشمم

هنا الكواكب كانت في مقابرها              اليوم تشرق للدنيا وتبتسم

لسنا الأولى ايقظوها من مراقدها           الله أيقظها والسخط والألم( )

وفي قصيدة أخرى له بعنوان "في سبيل فلسطين" يقول:

شيدوا لنا في سموات العلى حرما          نطوف حول ثرياه ونستلم( )

فهذا التكرار لكلمة "هنا" الظرفية، بالإضافة إلى الألفاظ، علاوة على الوزن والقافية، إن لم نقل الإيقاع ككل، مرجعيته في الأساس، شاعر تقليدي، هو الآخر، كنا قد أشرنا إليه، كنموذج للشاعرية من حيث تعدد الإيقاعات، في قصيدته بعينها، التي استعار إيقاعها العام محمد محمود الزبيري: الشاعر الذي سبق لنا قبل قليل  الاستشهاد بأبياته الشعرية، من حيث أنها صدى لأثر حافظ إبراهيم، الذي كان قد قال في قصيدة مشهورة، له في رثاء مصطفى كامل باشا في 1909م:

طوفوا بأركان هذا القبر واستلموا

                                    واقضوا هنالك ما تقضي به الذمم

هنا جنان تعالى الله بارئه                  ضاقت بآماله الأقدار والهمم

هنا فم وبنان لاح بينهما                    نثرا تسير به الأمثال والحكم

هنا الكمي الذي شادت عزائمه            لطالب الحق ركنا ليس ينهدم

هنا الشهيد هنا رب اللواء هنا             حامي الذمار هنا الشهم الذي علموا

قيل اسكتوا فسكتنا ثم أنطقنا   عسف الجفاة وأعلى صوتنا الألم( )

فذلك، من هذا، وهذا من الفرزدق، في قصيدته المشهورة في الإمام زين العابدين علي بن الحسين(ع) التي بدأها: "هذا الذي تعرف البطحاء وطأته…"، وقد سبق لنا الإشارة إليها في مكانها، من هذا التحليل. لننتقل إلى شاعر آخر من المحيط الشعري (اليمن). هو، أيضا، كان قد استعار إيقاع شاعر آخر، متأثرا، على نحو البدايات الأولى له، على الرغم من أن محمود حسن إسماعيل (المعني بقصيدة البردوني) ليس له إيقاع معين يدل عليه، وبه يعرف إلا في حدود الإيقاع العام للرومانسيين العرب بجماعة "أبولو" تحديدا. يقول عبد الله البردوني، كنموذج للرومانسيين في قصيدته اللامية - البحر الخفيف: "نار وقلب":

يا ابنة الحسن والجمال المدلل             أنت أحلى من الجمال وأجمل

أنت فجر معطر وربيع                    وأنا البلبل الكئيب المبلبل

أنت في كل نابض من عروقي            وتر عاشق ولحن مرتل

فانفحيني تحية وتلقي                                   نغما من جوانح الحب مرسل( )

من حيث قال -من قبله- محمود حسن إسماعيل، في قصيدته "أقبلي كالصلاة":

أنت لحن على فمي عبقري              وأنا في حدائق الله بلبل

فاسكبي لي السنا وطوفي بنعشي       ينعش الروح سحرك المتهلل

أنت ترنيمة الهدوء بشعري             وأنا الشاعر الحزين المبلبل

أنت نبعي وأيكتي وظلالي               وخميلي وجدولي المتسلسل( )

في الوقت الذي يهيمن إيقاع أبي القاسم الشابي على الإثنين معا، عبر تجربته الفريدة "صلوات في هيكل الحب"، بوزنها الذي ينتمي إلى البحر الخفيف أيضا، وبأسلوبها من حيث الخطاب، أو أدوات النداء، والتعجب، أو التشبيهات المتلاحقة على وجه القطيعة مع تشبيهات التقليديين. وما إلى ما ليس مكانه هنا، من حيث الاستقصاء، مادمنا ملتزمين بمبدأ التمثيل، والإشارة للتدليل على صحة مقترحنا النقدي التصنيفي وحسب.

          وبالنسبة لهذه المسألة (مسألة استعارة إيقاع شاعر)، فليس أدل على ذلك مما حدث مع نزار قباني في الزمن المعاصر بسيطرة إيقاعه على كثير من الشعراء. لعل سعاد الصباح أدق ما يكون النموذج عليه من تجسيد لذلك، أو مما هو حادث وأدونيس، ومحمود درويش، وعبد الوهاب البياتي... وغيرهم من الشعراء الكبار في عصرنا هذا المليء بالكبار، والصغار، في المركز والمحيط الشعريين، على وجه التأثير والتأثر، الأصالة والتقليد، الائتلاف والاختلاف.





 )  أنظر إيليا الحاوي، نماذج في النقد الأدبي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط:3، 1969، ص: 227-228.

  )  نفسه، ص: 224.

  )  نفسه، ص: 223.

  )  محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 89-90.

  )  نفسه، ص: 167.

  ) نفسه، ص: 167.

  ) نفسه، ص: 167.

  )  أنظر ابن رشيق، العمدة، (م.س)، ص: 572.

  )  كمال أبوديب، جماليات التجاوز أو تشابك الفضاءات الإبداعية، دار العلم للملايين، بيروت، ط:1، 1997، ص: 83.

  )  محمود درويش، ورد أقل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:2، 1990، ص: 5.

  )  أنظر مقدمة زهير بن أبي سلمى، المكتبة الثقافية، بيروت، ط:1، 1968، ص: 15.

  )  الديوان نفسه، ص: 30.

  ) الديوان نفسه، ص: 31.

  ) الديوان نفسه، ص: 13-14.

  ) محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 78-79.

  )  أنظر عباس محمود العقاد، أبو نواس - الحسن بن هانئ، دار الرشاد الحديثة، القاهرة، ط بدون، السنة بدون، ص: 33.

  )  أنظر محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 315-316.

  ) محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، (م.س)، ص: 107.

  )  أنظر الجواهر المختارة من تراث العرب، جمعها محمد صالح البنداق، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط:1، 1979م، ص: 86.

  )  محمد صالح البنداق، الجواهر المختارة من تراث العرب، (م.س)، ص: 38.

  )  أحمد شوقي، الشوقيات، المجلد I، دار الكتاب العربي، بيروت، ط:10، 1984، ص: 19.

  )  نفسه، ص: 63.

  )  شوقي ضيف، دراسات في الشعر العربي المعاصر، دار المعارف، القاهرة، ط:7، سنة بدون، ص: 151.

  )  أبو القاسم الشابي، دار العودة، بيروت، ط:2، 2000، ص: 457.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 214.

  )  نفسه، ص: 214.

  ) نفسه، ص: 215.

  ) نفسه، ص: 217.

  )  انظر سعد الدين كليب، دراسة بعنوان: "جمالية الرمز الفني في الشعر الحديث"، مجلة الوحدة، المجلس القومي، السنة 7، العدد 83/83، ص: 37.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 214.

  )  نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط:7، 1983، ص: 112.

  )  نفسه، ص: 112.

  )  نفسه، ص: 113.

  )  أنظر مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة (مختارات شعرية)، دار طلاس، دمشق، ط:2، 1985م، ص: 283.

  )  الخطيب التبريزي، شرح القصائد العشر، تحقيق فخر الدين قباوه، دار الآفاق، بيروت، ط:4، 1980، ص: 40.

  ) مصطفى طلاس، شاعر وقصيدة، (مختارات شعرية)، دار طلاس، دمشق، (م.س)، ط:2، 1985.

  )  ابن رشيق القيرواني، العمدة، (م.س)، ص: 299.

  )  القاضي الجرجاني، الوساطة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي البجاوي، المكتبة العصرية، بيروت، ط:1، 1966، ص:95.

  )  أحمد شوقي، الشوقيات، المجلد I، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: 10، 1984، ص: 15.

  )  أنظر طه حسين، تقليد وتجديد، (م.س)، ص: 90.

  )  ديوان أبي القاسم الشابي، دار العودة، بيروت، ص: 406.

  )  نفسه، ص: 414.

  )  نفسه، ص: 457.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3 - الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 221.

  )  أنظر نفسه، ص: 219.

  ) أنظر نفسه، ص: 227.

  )  أنظر ابن رشيق، العمدة، (م.س)، ص: 403.

  ) محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها (3- الشعر المعاصر)، (م.س)، ص: 221.













الفصل الخامس

الصياغة النهائية



.1 الأصول في المعاني واحدة

          .1.1 التفوق في الأداء لا الاحتذاء

          لا نريد لهذا المحور الرئيس من المقترح النقدي التصنيفي، أن يقتصر على المعاني الإنسانية والكونية، كأصول، يتزاحم، ورودا، عليها الشعراء، حتى بلغ المدى بأغلبهم أن أعادوا طرقها حد السرقة والسطو. لا على نحو ما حدث بين شاعرين متجايلين فحسب، وإنما بين الشعراء جميعا من مختلف العصور الشعرية المتباعدة، كأن نقرأ لأحمد شوقي، في عصر النهضة، قوله:

وما نيل المطالب بالتمني        ولكن تؤخذ الدنيا غلابا( )

على سبيل الحكمة، وما يجري مجراها. وهو (أي هذا البيت الشعري) من قول أبي الطيب المتنبي، في العصر العباسي الثاني:

                      من أطاق التماس شيء غلابا

                                                  واغتصابا لم يلتمسه سؤالا( )

ومن قول دعبل بن علي الخزاعي، من قبلهما، على وجه الابتداء:

وما نيل المكارم بالتمني         ولا بالقول يبلى الفاعلونا( )

فما زاد شوقي إلا أن استبدل المكارم، في بيت دعبل، بالمطالب، وبروح المتنبي الوثابة، فأحسن وأجاد في بيت استوفى فيه معنييهما.

          ولقد حدث -على سبيل التمثيل للمجايلة- أن اتهم دعبل الخزاعي أبا تمام، فقال في حلقة من الناس، بشأن هذا الأخير، أنه "كان بتتبع معانيّ فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: ما من ذلك أعزك الله؟ فقال: قلت:

وإن امرأ أسدى إلي بشافع                 إليه ويرجو الشكر مني لأحمق

شفيعك فاشكر في الحوائج إنه          يصونك عن مكروهها وهو يخلق

وقال هو [أي أبو تمام] يمدح يعقوب بن أبي ربعي:

فلقيت بين يديك حلو عطائه     ولقيت بين يدي مر سؤاله

وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة               من جاهه فكأنها من ماله

فقال الرجل: أحسن والله، فقال: كذبت قبحك الله"( ).

وعلى الرغم من أن دعبل الخزاعي كان المبتدئ على أبي تمام، في طرق هذا المعنى، إلا أن اتهامه لهذا الأخير بالسرقة، لا يخرج عما أراده دعبل بقوله: كان يتتبع معاني فيأخذها" في إنساب الفضل له، والمزية عليه، على وجه السبق في المعاني. وهو ما لم يفطن إليه الرجل، إذ نظر إلى المسألة من حيث الكيفية في أداء -صياغة- المعنى، لا السبق فيه. فانتصر لأبي تمام، مما أثار غضب دعبل، الذي يفهم، جيدا، أن الأصول في المعاني واحدة. وإنما يتمايز الشعراء في التفاصيل، علاوة على الصياغة من حيث التفوق في الأداء، لا الاحتذاء. "كتب شكلوفسكي يقول: إن العمل الفني يدرك في علاقته بالأعمال الفنية الأخرى"( ).

          وهو نفسه مذهب الشاعريين القدماء عبر ما سمي بـ: "الموازنات"، بالإضافة إلى الأبواب التي استحدثها بعض منهم، بجانب أبواب أخرى، تتعلق بالبلاغة تحديدا، بخصوص السرقة وما تعنيه من سطو، وسلخ، واغتصاب.. كحد أقصى، وبين الاستراق، وما يعنيه من أخذ، واختزال، وتوسع، وإضافة كحد أدنى. وذلك، مثلا، بالمفهوم الذي كان قد ذهب إليه الجرجاني، في فصل مطول بعنوان: "الاحتذاء والأخذ والسرقة الشعرية عند الشعراء" شارحا لذلك، ومفرقا، بين كل واحد منها، على وجه التمثيل حيث يقول: "واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا -والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه- فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب، فيجيء به في شعره، فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، فيقال قد احتذى على مثاله، وذلك مثل أن الفرزدق قال [من الطويل]:


اترجو ربيع أن تجيء صغارها          بخير وقد أعيا ربيعا كبارها؟

واحتذاه البعيث فقال [من الطويل]:

اترجو كليب أن يجيء حديثها          بخير وقد أعيا كليبا قديمها؟

وقالوا إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال [من الوافر]:

إذا ما قلت قافية شرودا           تنحلها ابن حمراء العجان

ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة [من الطويل]:

كليب لئام الناس قد يعلمونه    وأنت إذا عدت كليب لئيمها

وقال البحتري [من الطويل]:

بنو هاشم في كل شرق ومغرب          كرام بني الدنيا وأنت كريمها

وحكى العسكري في صنعة الشعر أن ابن الرومي قال: قال لي البحتري: قول أبي نواس [من الطويل]:

ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم                  بشرقي ساباط الديار البسابس

مأخوذ من قول أبي خراش (الهذلي) [من الطويل]:

ولم أدر من ألقى عليه رداءه             سوى أنه قد سل من ماجد محض

قال: فقلت قد اختلف المعنى. فقال: أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا؟

وهذا الذي كتبت من حلي الأخذ في الحذو. ومما هو في حد الخفي قول البحتري:

ولن ينقل الحساد مجدك بعدما             تمكن رضوى واطمأن متالع

وقول أبي تمام:

ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه               فإذا أبان قد رسا ويلمم

قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق:

فادفع بكفك إن أردت بناءنا    شهلان ذا الهضبات هل يتحلحل

وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر محتذيا إلا بما يجعلونه به آخذا ومسترقا، قال ذو الرمة:

وشعر قد أرقت له غريب                أجنبه المساند والمحالا

فبت أقيمه وأقد منه                                    قوافي لا أريد لها مثالا

قال: يقول: لا أحذوها على شيء سمعته "فأما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته احتذاء فما لا يعلمونه، كيف وإذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كل لفظة لفظا في معناه، كمثل أن يقول في قوله [أي الحطيئة]:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها               واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ذر المآثر لا تذهب لمطلبها                واجلس فإنك أنت الآكل اللابس

لم يجعلوا ذلك احتذاء ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه محتذيا، ولكن يسمون هذا الصنيع سلخا ويرذلونه ويسخفون المتعاطي له. فمن أين يجوز لنا أن نقول في صبي يقرأ قصيدة امرئ القيس إنه احتذاه في قوله: فقلت له لما تمطى بصلبه                      وأردف اعجازا وناء بكلكل"( ).

وعليه، فالاحتذاء عند الجرجاني، هو تقليد شاعر لأسلوب شاعر بعينه، على وجه النظم، من حيث لم يكن بيت الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها                        واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

"كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه مجردة معراة من معاني النظم والتأليف، بل منها متوخى فيها ما ترى من كون (المكارم) مفعولا لـ(دع) وكون قوله: (لا ترحل لبغيتها)، جملة أكدت الجملة قبلها، وكون "اقعد" معطوفا بـ(الواو) على مجموع ما مضى، وكون جملة: أنت الطاعم الكاسي: معطوفة بـ(الفاء) على (اقعد)، فالذي يجيء فلا يغير شيئا من هذا الذي به كان كلاما وشعرا، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية، بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتة(...) فإذن ليس لمن يتصدى لما ذكرنا من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها، إلا أن يسترك عقله ويستخف، ويعد معد الذي حكي أنه قال: إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسان، قال حسان:

يغشون حتى ما تهر كلابهم             لا يسألون عن السواد المقبل

وقلت:

يغشون حتى ما تهر كلابهم             أبدا ولا يسألون من ذا المقبل

فقيل هو بيت حسان، ولكنك قد أفسدته"( ).

وهو (أي الاحتذاء)، وإن كان ممقوتا، لأنه ليس للمحتذي مثل ما للمحتذى (بفتح الذال) من فضل في السبق إلى ابتداع أسلوب اقتضته التجربة ابتداء..، علاوة على أخذه (أي المحتذي) المعنى، بل لا يكون قد قال شيئا عن نفسه كشاعر البتة -على حد الجرجاني نفسه... نقول، والاحتذاء غير السلخ، من حيث أن هذا الأخير لا علاقة له بالشعر سوى ما كان على وجه الحمق، والإفساد، بأن يعمد واحد من الناس إلى "بيت فيضع مكان لفظة منها لفظة في معناها" كما سبق أن مثل لذلك الجرجاني، قبل قليل.

وينفي عبد القاهر الجرجاني "قول العلماء حيث ذكروا الأخذ والسرقة: إن من أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده كان أحق به"( ) لاستحالة أن يكون ثمة "معنى عار من لفظ يدل عليه"( )، من حيث -وهو الصحيح- أن هذا الأخير، أي اللفظ، هو بمفهوم ماكليش( ) الذي يأسر السماء والأرض داخله، أو الجسد، بمفهوم الشاعريين القدماء، الذي لا وجود للمعنى، كروح، إلا به. ولذلك كان "الأخذ"، ولم تكن "السرقة" بعينها فيما "صنع أبو تمام في بيت أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك:

أمسلم إني يا ابن كل خليفة                   ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض

شكرتك إن الشكر حبل من التقى           وما كل من أوليته صالحا يقضي

وأنبهت لي ذكري وما كان خاملا          ولكن بعض الذكر أنبه من بعض

فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال:

                      لقد زدت أوضاحي امتدادا ولم أكن

                                              بهيما ولا أرضي من الأرض مجهلا

ولكن أياد صادفتني جسامها                أغر فأوفت بي أغر محجلا

وفي كتاب "الشعر والشعراء" للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن قال: "ومن الأمثال القديمة قولهم "حرا أخاف على جاني كماه لا قرا" يضرب مثلا للذي يخاف من شيء فيسلم منه، ويصيبه غيره مما لم يخفه، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:

وحذرت من أمر فمر بجانبي                       لم ينكني ولقيت ما لم أحذر

وقال لبيد: أخشى على أربد الحتوف ولا          أرهب نوء السماك والأسد

قال: وأخذه البحتري فأحسن، وطغى اقتدارا على العبارة واتساعا في المعنى فقال:

لو أنني أوفي التجارب حقها                        فيما أرت لرجوت ما أخشاه

وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب أيضا. أنشد لإبراهيم ابن المهدي:

يا من لقلب صيغ من صخرة           في جسد من لؤلؤ رطب

جرحت خديه بلحظي فما                برحت حتى اقتص من قلبي

ثم قال: قال علي بن هارون أخذه محمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال:

أدميت باللحظات وجنته                 فاقتص ناظره من القلب

قال: ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه قد صار أولى به: ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرد اللفظ ولكن صورة وصفة وخصوصية في المعنى، وشيئا طريق معرفته على الجملة، العقل دون السمع فإنه على كل حال لم يقل في البحتري إنه أحسن فطغى اقتدارا على العبارة من أجل حروف:

لو أنني أوفي التجارب حقها

وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة من أجل حروف:

أدميت باللحظات وجنته                  "( )

بل إلى ما يذهب إليه، دائما، الجرجاني، من سر في النظم، من حيث التوخي في معاني النحو.

          للتوسع في هذا الموضوع أهميته، لا من حيث الفصل "بين السرق والغصب، وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرق فيه، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مختلسا سارقا، والمشارك له محتذيا تابعا، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه: أخذ ونقل، والكلمة التي يصح أن يقال فيها: هي لفلان دون فلان"( )، أو من حيث معرفة ما هو مشترك كصنف في المعاني "عام الشركة، لا ينفرد أحد منه بسهم لا يساهم عليه، ولا يختص بقسم لا ينازع فيه(...) وصنف سبق المتقدم إليه ففاز به، ثم تدوول بعده فكثر واستعمل، فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، والاستفاضة على ألسن الشعراء، فحمى نفسه عن السرق، وأزال عن صاحبه مذمة الأخذ"( )، أو من حيث المفاضلة على وجه النقد بين متنازعي "هذه المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر"( )، فقد "تشترك الجماعة في الشيء المتداول، وينفرد أحدهم بلفظة تستعذب، أو ترتيب يستحسن، أو تأكيد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى لها دون غيره، فيريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع(...) ومتى جاءت السرقة هذا المجيء لم تعد مع المعايب، ولم تحص في جملة المثالب، وكان صاحبها بالتفضيل أحق، وبالمدح والتزكية أولى"( ) فحسب، وإنما من حيث فهم القصيدة الشعرية، كعملية إبداعية تراكمية، وكيفية معقدة، في نفس الآن.



.2.1 السلم التصاعدي، والتنازلي، للصياغة النهائية

          .1.2.1 اللقاء السعيد بعبد القاهر الجرجاني

          وبدون هذا الفهم لا يمكن لنا المزيد من التحليل والتقدم في مقترحنا النقدي التصنيفي عبر هذه الأطروحة، الذي أملنا له النجاح، باستيعاب كل التجارب الشعرية عبر العصور، عبر التصانيف الأربعة الرئيسة بفروعها. وها، نحن، ذا قد حاولنا التمهيد للتصنيف الرابع الذي بمفهوم، ما اصطلحنا عليه، بالصياغة النهائية، بتدرجها الثلاثي كصياغة أولية، وكإعادة صياغة، وكصياغة نهائية. وقد وجدنا لهذه الدرجات الثلات وجوها موازية، عند عبد القاهر الجرجاني، حد التطابق في التنظير، لولا بعض الفروقات، خصوصا فيما يتعلق ببعض التفاصيل الدقيقة والهامة، كما سوف نوضحه بعد قليل. ففي فصل بعنوان: "الموازنة بين المعنى المتحد، واللفظ المتعدد" كان قد عقده عبد القاهر الجرجاني لمثله الغرض (غرضنا نفسه) حيث يقول: "وقد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد، وهو ينقسم قسمين: قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب. وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصوّر. وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا وفي الآخر مصور مصنوعا، ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم، وإما لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم (...) القسم الثاني ذكرت ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذية على الجملة"( ).

          وعليه فقد أمكن له التمثيل لكل قسم من الأقسام الثلاثة، كأن يكون قول البحتري، كنموذج، لما عبر عنه بـ"المعنى الغفل الساذج"( ) مقابل -لا على وجه التضاد، وإنما الموازاة- "الصياغة الأولية" عندنا:

ولو ملكت زماعا ظل يجذبني                       قودا لكان ندى كفيك من عقلي( )

مع قول المتنبي، كنموذج لإعادة إنتاج المعنى الغفل الساذج، عند البحتري، بما عبر عنه بـ"المصور المصنوع"، وهو ما يوازي عندنا "إعادة الصياغة":

وقيدت نفسي في ذراك محبة                        ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا( )

وبالنسبة للقسم الثالث، فقد عناه بقوله: "ما أنت ترى في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذية"( ). فالأستاذية هي -على نحو مقارب- ما يتعالق عندنا مع "الصياغة النهائية"، مع الفارق -كما سترى-. وقد مثل لها بعدة أمثلة، نختار قول لبيد، وهو من النادر، حسب الجرجاني:

واكذب النفس إذا حدثتها         إن صدق النفس يزري بالأمل( )

مع قول نافع بن لقيط:

وإذا صدقت النفس لم تترك لها                     أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب( )

نكتفي بهذا القدر من التمهيد، وإن كنا قد دخلنا بالجرجانيين الإثنين صلب الموضوع دون عمد منا. فالكلام يفضي بعضه إلى بعض، بلا انتهاء، من حيث لم نبدأ بعد، نظرا، لطرافة، وعمق الموضوع مما لا مجال سوى للاستقصاء على وجه السبر والتأني، تدرجا، لنيل المطلوب. وإذا كان ثمة ما يمكن أن نضعه هنا على وجه الاستخلاصات لما تقدم، فالآتي، مما نضمنه في النقاط التالية:

1.       كانت الموازنة هي المنهج الرائد عند الشاعريين القدماء، للوصول إلى نتائج علمية ملموسة، في تحليل تجارب الشعراء، سواء عن طريق المقارنة بين شاعرين، أو أكثر من ذلك، أو بين شاعر، إزاء التجارب الشعرية في كل العصور السابقة عليه، وهو ما لا يمكن أن يدرك العمل الفني إلا في ضوء علاقته، بالأعمال الفنية الأخرى - حسب شكلوفسكي.

2.       إدانة السرقة أخلاقيا، وفنيا (السرقة الشعرية)، مما ينصف بذلك السابقون من الشعراء ابتداء، سواء فيما يتعلق بالمعاني، أو الصياغات من الأدعياء، فيما يعد بيتا واحدا مفردا، أو قطعة شعرية بكاملها مثلما فعل الفرزدق بجميل( )، أو جرير بقول سويد بن كراع العكلي( )، أو أبي تمام بقصيدة أبي مكنف المزني( ) من حيث أخذ أبو تمام لأكثرها( ) لفظا ومعنى.

3.       التفريق بين الأخذ، والسرقة من حيث أن الأول يدخل ضمن إعادة الصياغة، بينما الثانية تدخل ضمن مفهوم عبد القاهر الجرجاني للاحتذاء، كأسلوب، ومعنى، في الوقت نفسه.

4.       تشابه تقسيم عبد القاهر الجرجاني، كأقسام ثلاثة، لما نحن بصدده، عبر مقترحنا النقدي التصنيفي، وخصوصا فيما يتعلق بالمحور الرابع منه: الصياغة النهائية بدرجاته الثلاث( ).

5.       المعاني صنفان: مشتركة، وخاصة.

نقول، علاوة -وهو الأهم- على ما يقدمه لنا طرق هذا الموضوع الخطير من قيمة نقدية على وجه التفسير، من حيث أن الإبداع في الثقافة العربية القديمة برمتها، قائم على إعادة إنتاج الموروث، ثم إعادة إنتاجه حد الاجترار، والتكرار. لذلك كان الشعراء الاستثنائيون قليلين جدا، على امتداد الثقافة العربية عبر العصور، وأقل القليل، من الشعر، هو الشعر بعينه. ومما يؤكد ذلك قول عنترة، وقد سبق لنا التطرق إلى هذا، "هل غادر الشعراء من متردم..." ، في معلقته المشهورة من ذلك الزمن البعيد، على عصور سابقة على عصرنا، وهو ما يعطي لقول الفرزدق، بعد سماعه قصيدة لواحد من الشعراء، أهمية من حيث المصداقية والعمق، في أن لا جديد فيما سمعه، وإن كان شعرا، على افتراض أن الذي كان قد سمعه موزونا مقفى، وعلى أساليب العرب المألوفة، ولا يخلو من استعارة أو تشبيه، في أسوأ الأحوال.

          وبدون هذا الفهم لا يمكن لنا الاستمرار في التحليل، نستطيع، للمزيد من التوسع، دونما تشعب، في هذا الباب، نظرا لطرافته، فيما تقدم من طروحات للجرجانيين وغيرهما، قراءة بعض التجارب الشعرية التي صادفناها أثناء بحثنا، نمذجة لمفهوم ما اصطلحنا عليه في هذا المقترح النقدي التصنيفي بـ"الصياغة النهائية" من حيث -قبل الدخول في التمثيل لهذا الأخير- أن ثمة إعادة إنتاج لمعنى معين، ولا نقول، الآن على الأقل، إعادة صياغة حيث أن لهذه التسمية بعدا فنيا تقنيا، علاوة على تضمنها لمفاهيم قديمة، كالاحتذاء عند عبد القاهر الجرجاني الذي من الممكن أن تتصف به الشواهد التالية، أن يقول أبو نواس:

إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت                        له عن عدو في ثياب صديق( )

سابقا في المعنى على الشريف الرضي الذي يقول محتذيا وآخذا:

إذا أنت فتشت القلوب وجدتها               قلوب الأعادي في جسوم الأصادق( )

وفي معنى آخر، يقول الفرزدق، آخذا من عمرو بن معدي كرب الزبيدي، الذي قال سابقا عليه:

ليس الجمال بمئزر                       فاعلم وإن رديت بردا

إن الجمال معادن              ومناقب أورثن حمدا( )

،يقول:   ولا خير في حسن الجسوم وطولها           إذا لم يزن حسن الجسوم عقول( )

ليأتي، من بعده، دعبل الخزاعي، محتذيا، بقوله:

وما حسن الجسوم لهم بزين       إذا كانت خلائقهم قباحا( )

، ثم يأتي، من بعدهم، المتنبي، ليأخذ، محتذيا، سابقيه:

وما الحسن في وجه الفتى شرفا له       إذا لم يكن في فعله والخلائق( )

، أو في معنى آخر -وهو ما يمكن أن يكون نموذجا مشابها لما سبق- حيث قال عنترة العبسي مفتخرا، ومقررا:

لعمرك إن المجد والفخر والعلا         ونيل الأماني وارتفاع المراتب

لمن يتلقى أبطالها وسراتها              بقلب صبور عند وقع المضارب

ويبني بحد السيف مجدا مشيدا          إلى فلك العلياء فوق الكواكب( )

، ليقول المتنبي، آخذا:

ولا تحسبن المجد زقا وقينة               فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وإن ترى       لك الهبوات السود والعسكر المجر( )

، فيأتي، من بعدهما، الشريف الرضي، آخذا، ومحتذيا:

وما العز إلا غزوك الحي بالقنا         وربط المذاكي في خدور العواتق

وإغمادك الأسياف في كل هامة        وركزك أطراف القنا في الحمالق( )

وهو ما يؤكد طرحنا السابق الذي تقدم بفرضية تقول بأن الشعرية العربية -إلا فيما ندر، كاستثناء- كلها، قائمة على إعادة الإنتاج احتذاء وأخذا، وإن كان هذا الأخير مستحسنا، ومقبولا، وطبيعيا، وليس كالأول (الاحتذاء) ، والمرجعية، في ذلك، الجاحظ. وهو ما يمكن أن يعني عندنا بإعادة الصياغة: فإذا كان الفضل للمتقدم زمنيا، من حيث أنه السابق إلى افتراع بكارة المعنى، كصياغة أولية، فإن المزية والتقديم لمعيد الصياغة إن أحسن، وإلا فلا مزية، ولا تقديم له على سابقه. ولقد وجدنا، من خلال بحثنا، الكثير من النماذج بالنسبة لإعادة الصياغة، تدرجا، من الصياغة الأولية، فإعادة الصياغة. كأن نتدرج، عبر العصور، بطرفه الذي قال على نحو الصياغة الأولية:

أرى قبر نحام بخيل بماله                   كقبر غوي في البطالة مفسد

ترى جثوتين من تراب عليهما              صفائح صم من صفيح منضد

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي

                                              عقيلة مال الفاحش المتشدد( )

، حتى يجيء الشريف الرضي بعد امتداد، في الزمن، من العصر العباسي الثاني، وقد تأثر بالقرآن الكريم، ليعيد صياغة طرفة بن العبد، على وجه أجد، حيث يقول:

والأرض دار لا يلذ نزيلها              عمر الزمان ولا يديم مقيمها

كم باع اباء تفل بطونها                  وأديم جبار يقد أديمها

قبر على قبر لنا وأواخر                 يلقي رميم الأولين رميمها( )

فينصرف الشاعريون إلى صوت الشريف الرضي، وإن ظلوا محتفظين بطرفة بن العبد في هذا المعنى. وبمجيء أبي العلاء المعري الذي سيعيد صياغة الإثنين السابقين عليه ببراعة وعمق فائقين، وحلاوة ورشاقة لا مثيل لهما حيث يقول -وتقول معه العصور-:

                      رب لحد قد صار لحدا مرارا

                                              ضاحك من تزاحم الأضداد

                      ودفين على بقايا دفين

                                              في طويل الأزمان والآباد( )

مما لم يتهيأ لشوقي بعد عصور شعرية أن يضيف شيئا إلى بيتي أبي العلاء لسبب واحد، ووحيد، نفسره، فيما بعد، ضمن مفهوم ما اصطلحنا عليه بالصياغة النهائية، إذ لا يقع شوقي في الأخذ، والاحتذاء فحسب بل والركاكة والضعف من حيث قال معارضا:







هل ترى كالتراب أحسن عدلا              وقياما على حقوق العباد

نزل الأقوياء فيه على الضعفى             وحل الملوك بالزهاد( )

، وهكذا تستمر التقاليد الشعرية في الثقافة العربية القديمة والمعاصرة على ما يبدو حيث لا مجال لفهمها سوى بمفهوم إعادة الصياغة لصياغة أولية، سابقة عليها. لكن ماذا عن الصياغة النهائية؟

.2 الصياغة النهائية( )

          .1.2 الصياغة الأولية

          .2.2 إعادة الصياغة

          كنا، فيما سبق من التحليل، قد مهدنا للموضوع الرئيس (الصياغة النهائية)، كمحور رابع من ثلاثة محاور، ينبني عليه مقترحنا النقدي التصنيفي إياه، لأسباب تتعلق بالسبق من حيث طرق هذا الموضوع، وإن كان لكل ناقد لغته الواصفة التي تأتلف وتختلف في الوقت نفسه مع مصطلح الصياغة النهائية، الذي يتفرع منه فرعان، وجدنا لهما الموازي، منطلقين مما قدماه (أي الموازيان القديمان) لنا من جواب لأسئلة مضمرة، تدور في فلك لاوعينا حيث أن الثقافة العربية -كغيرها من الثقافات- قائمة برمتها على إعادة الإنتاج، مع وجود الاستثناءات بطبيعة الحال. فإذا كان الشاعريون القدماء قد رأوا إلى المسألة كلها بمفهوم ما اصطلحوا عليه بالسرقة: (الاحتذاء، الأخذ، السلخ أو السطو) ما بين الاستحسان والاستقباح، بوعي منهم لمسائل استثنائية، كالسبق على وجه الابتداء، سواء فيما يتعلق بالأسلوب، أو المعنى، على اعتبار أن هذين الأخيرين هما كل المسألة في الإبداع. ونحن، إذ نطرح مصطلحنا الجديد: "الصياغة النهائية بفرعيه: الصياغة الأولية، وإعادة الصياغة" لزم أن يكون حديثنا مغايرا، وإن لم يكن جديدا، إذ لا جديد تحت الشمس من حيث الأصول لا التفاصيل، وهي، ما يمايزنا، دون الأولين. فإذا كانت الصياغة النهائية، هي -وقد سبق لنا تعريفها، والنمذجة لها- أن يأتي الشاعر، عبر مروره بتجربة ما، بصياغة لها نهائية بحيث استحالة اختراقها بصياغة ثانية لشاعر آخر مهم بلغت مقدرته، وإمكانياته، وأصالته، بدليل رحيلها مخلدة عبر العصور، فقد أغلق شاعرها الباب أمام إمكانية  إعادة صياغتها، على وجه الإطلاق. وقد تكون الصياغة النهائية، سبقا، كأن يأتي شاعر من العصر الجاهلي بها، فتستمر، كذلك، متقلبة في أصلاب العصور، وأرحام الأزمنة، مهيمنة في إخمالها كل صياغة معارضة لها من قبل الشعراء التاليين، مع امتداد الزمن. في الوقت نفسه الذي قد تكون الصياغة النهائية من حيث تحققها، تدرجا، كأن يبدأ شاعر في عصر من العصور بالتمهيد لها، كصياغة أولية، فيأتي شاعر، من بعده، ليعيد صياغتها، فينصرف الناس إلى الأخير مع استبقاء الأول كمرجعية. حتى يأتي شاعر آخر، بعدهما، ليعيد صياغتهما، بصياغة نهائية مطلقة. وقد عمدنا على إطلاق لفظة "صياغة" دون غيرها نظرا لما توحي به الكلمة من دلالات متعددة تتعلق بنظام التأليف وسموه، وعبقريته، على الوجه الذي يذهب فيه أغلب الشاعريين الأفذاذ: كالجاحظ، والجرجانيين، وحازم القرطاجني وغيرهم ممن نظر وأدام النظر، تأملا، في التفاصيل الدقيقة للصنعة. فمثلا، عندما يقول أبو تمام -على سبيل التمثيل للصياغة النهائية من الدرجة الأولى- مختزلا قصة الشهادة، والشهيد:

                      تردى ثياب الموت حمرا فما أتى

                                                          لها الليل إلا وهي من سندس خضر( )

من حيث أن هذا البيت الشعري لا يمكن تبديل ألفاظه، على وجه حل الشعر (أي شرحه)،علاوة على ما يتمتع به من اختلاف، كابتداء، في طريقة النظم والتأليف، بالإضافة إلى الطرافة من حيث الاختزال للمعركة حتى الشهادة، وما يترتب، على ذلك، من عوض بالجنة، تلميحا، عن طريق رد العجز على الصدر، وما بينهما من مقابلة: حمرا/خضر، وجناس: تردى/أتى، وما إلى ذلك من أساليب البديع( ).

، وهو ما يمكن أن ينسحب على قول المتنبي، كصياغة نهائية، بامتياز:

                      على قدر أهل العزم تأتي العزائم

                                                          وتأتي على قدر الكرام المكارم( )

فقد لخص المسألة كلها في أربع كلمات: العزم=العزائم/الكرم=المكارم

مما لا يمكن لأي شاعر أن يخترق هذه الصياغة، مهما بلغ كيده الشعري، من حيث العمق والقوة والأصالة. نقول هذا بعيدا عن مفهوم "الاقتباس" للمعنى، بالنسبة لأبي تمام، كون مرجعيته في ذلك هو "القرآن الكريم"، أو مفهوم "الأخذ" فيما يتعلق بالمتنبي من حيث رأى القاضي الجرجاني أن المتنبي كان قد أخذ المعنى من قول عبد الله بن طاهر:

إن الفتوح على قدر الملوك وهمات الولاة وأقدام المقادير( )

فإذا صح الاقتباس من القرآن مع أبي تمام، فليس ثمة علاقة -من وجهة نظرنا- بين بيت المتنبي وبين بيت عبد الله بن طاهر، إذ أنه من الممكن أن قد أخذ المتنبي المعنى من واقع تجربته الخاصة، وإن كان المعنى له –لاشك- سبب بالأصول في الواقع العربي: كثقافة، وتاريخ. وإذا صح أن أخذه من عبد الله بن طاهر، فهو مما يؤكد كلامنا السابق، بهذا الصدد، من حيث تدرج الشعراء في الصياغة، وإعادة الصياغة، إلى ما اصطلحنا عليه، بالصياغة النهائية، بامتياز.

.3 أنواع متعددة للصياغات

          هذا ومن الصياغات بأضرابها الثلاثة، ما يجري مجرى المثل، كقول المتنبي -من عجز البيت-:

                      ما كل ما يتمنى المرء يدركه

                                                  تجري الرياح بما لا تشتهي السفن( )

ومنها ما يكون على وجه العظة، كقول زهير بن أبي سلمى:

                      فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

                                                  ليخفى ومهما يكتم الله يعلم( )

ومنها ما كان حكمة (معرفة)، كقول المتنبي:



أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه             حريصا عليها مستهاما بها صبا

فحب الجبان النفس أورده البقا          وحب الشجاع الحرب أورده الحربا

ويختلف الرزقان والفعل واحد          إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا( )

، ومنها ما يكون على هيئة صورة، كقول أبي تمام السالف الاستشهاد به، بخصوص الشهادة والشهيد. ومنها ما يمكن أن يكون غير ذلك، من حيث التعدد، مما لا مجال لحصره هنا، أو استقصاءه.

والخلاصة، على نحو ما سنرى أثناء التمثيل لكل العصور، أننا قد رصدنا وجودا لثلاثة أنواع من الصياغات، وهي:

1.       صياغة أولية مع احتمال أن تكون نهائية، ولا يمكن إطلاقها إلا على السابق، من حيث العصور الأدبية.

2.       إعادة صياغة للأولية، من حيث ارتأى الشعراء اللاحقين، للسابقين، أن ثمة فرصة لإعادة صوغها (معنى ومبنى)، ففعلوها على سبيل التجويد لا النهائي، في الوقت الذي قد يفشل فيه الشعراء أنفسهم في إعادة الصياغة، على وجه التجويد.

3.       صياغة نهائية قد يحققها شاعر سابق، قاطعا، الطريق على لاحقيه، في مجرد التفكير بإعادة الصياغة، من حيث تفوقها، على امتداد العصور.

          هكذا ولكل ضرب من هذه الصياغات مميزات، وعلائق، ومرجعيات، سنتطرق إلى ذلك بشيء من التفصيل، في العنصر التالي:

.3 الاستقراء عبر العصور الشعرية:

          .1.3 صياغة من الدرجة الأولى: (صياغة نهائية)

          .2.3 جداول تكميلية

          ثبت لنا، من خلال تأملنا لمعظم التجارب الشعرية الهامة، أن شعراءها، كانوا حريصين على وجه التقاليد الشعرية، كثقافة، على أن يضمنوا قصائدهم، ولو بيتا واحدا، يجري مجرى الحكمة، أو المثل، أو العظة، كخلاصة لتجربة، برمتها، كان قد مر بها الشاعر، في غير قصيدة من قصائده. إذ أن مثل هذا الصنيع من الشاعر، سيعمل على إضاءة معمار القصيدة، برمتها، من حيث هو حسب تعبير القدماء "بيت القصيد". فمن منا، حين يتذكر معلقة طرفة بن العبد، مثلا، لا يذكرها بقوله الشهير:

                      وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

                                                          على الحر من وقع الحسام المهند( )

الذي صح لنا أن نضعه كشاهد من العصر الجاهلي للصياغة النهائية، بامتياز. ومرجعيته في الذهاب إلى هذا المعنى، هي التجربة الشخصية، قطعا. ذلك ما أفضت به قصة معلقته، وما لقيه من هضم، وتجريح، حد التخلي عنه، حد إفراده كإفراد البعير الأجرد. وقد ذهبت هذه الصياغة في امتداد العصور، كذهاب النار في شجر القتاد، كصياغة نهائية، بدليل، بالإضافة إلى ما سبق، عدم التعرض لها بإعادة الصياغة، كما في غير هذا المعنى، من قبل أي شاعر وجد على السواء، في العصر الجاهلي مجايلا له، أو لاحقا بعده، أو في بقية العصور التالية. وإن وجد -من بعده، فيما بعد، من العصور إلى الامتداد- من هو أعظم منه عبقرية، بكل ما تعنيه، هذه الأخيرة، من أصالة، وقوة، ونفاذ... لماذا؟ للأسباب نفسها التي كنا قد أشرنا إليها قبل قليل مع بيتي أبي تمام والمتنبي، علاوة -بالإضافة إليها- على أن الشاعر هنا يؤدي تجربته شكلا ومعنى، ويعمله ويعطيه، بعيدا عن نقيض ذلك مما يوصف، كمجرد بلاغة وصفية.

وهو ما يمكن أن نرصده، كمثيل له، في قول الشاعر المخضرم لبيد مثلا:

                      وما المال والأهلون إلا ودائع

                                                  ولابد يوما أن ترد الودائع( )

          كنموذج من العصر الإسلامي للصياغة النهائية، بدليل أن ثمة من حاول أن يعيد صياغة معنى لبيد فلم يتحقق له ذلك، وإن كان المعيد لصياغته، هو الآخر، لا يقل مكانة، كشاعر فحل عن الاثنين: "طرفة ولبيد". يقول كعب بن زهير بن أبي سلمى، في قصيدته اللامية التي مدح بها الرسول(ص):

                      كل ابن أنثى وإن طالت سلامته

                                                          لابد يوما على آله حدباء محمول( )

فالفرق واضح بين الصياغتين، لا من حيث أن الثاني قد احتذى الأول في الأسلوب، على الرغم من اختلاف البحرين الشعريين اللذين نظم كل منهما تجربته فحسب، بل وجوهر الصياغة الشعرية، من حيث انتماء هذه الأخيرة إلى النظم لا الشعر، الذي كثرت أشباهه، فيما بعد، من عصور الانحطاط. ولولا أننا لسنا، الآن، بصدد التشكيك بنسبة هذا الشعر من ذلك الشعر إلى عصور بعينها، حيث ليست، هنا، مهمتنا، الآن، على الأقل، لقلنا بوضع البيت الشعري من طرف النساب، وإدخاله ضمن قصيدة كعب بن زهير المعروفة.

          من العصر الأموي نرصد بيتا شعريا جميلا، كنموذج للصياغة النهائية، لا في تجارب الفحول (جرير، أو الأخطل، أو الفرزدق)، بل في تجربة شاعر، عده النقاد من الدرجة الثانية وهو قيس بن الملوح الذي يقول من قصيدته اليائية الشهيرة:

                      وقد يجمع الله الشتيتين بعدما

                                                  يظنان كل الظن أن لا تلاقيا( )

وهو شاهد فريد ومتفرد من حيث لم نجد له مرجعية في التجارب الشعرية لسابقيه، على الرغم من تزاحم العصور بالشعراء. الأمر الذي -وهو ما يؤكد قوته واختلافه- أغرى بقيس بن ذريح، من بعده، ليحاول، معيدا، صياغته، فيقول:

                      فليس لأمر حاول الله جمعه

                                                مشت ولا ما فرق الله جامع( )

، ثم يأتي، من بعدهما، جميل، ليقول:

                      وقد تلتقي الأشتات بعد تفرق

                                                وقد تدرك الحاجات وهي بعيد( )

فالمسألة مع بيت قيس بن الملوح، كنموذج للصياغة النهائية من العصر الأموي، حاسمة، بحيث لا نحتاج معه إلى التعليل.

          ومع أبي تمام في العصر العباسي الأول، نستطيع أن نمثل، كنموذج من تجربته للصياغة النهائية، قوله الذي مضى، مخاطبا، القاصي والداني، عبر الأزمنة، وتعدد التجارب، والأهواء، والأذواق، هكذا:

                      وإذا أراد الله نشر فضيلة

                                              طويت أتاح لها لسان حسود( )

مما لا مجال إلا الاستشهاد به، وتمثله دون غيره، بامتياز. فالبيت الشعري يحكي واقعا متكررا نقع فيه كأفراد عاديين، وكعظماء. وهو من السهولة حد الامتناع كصياغة، فيما لا حشو، ولا زيادة، علاوة على تمتعه بكل ما تمتعت به تجربة هذا العبقري في البديع، كأسلوب، في الشرط وجوابه. في الطباق: نشر/طويت، مدلول: فضيلة، بالإضافة إلى قصر اللسان، كسلاح وحيد، للحسود، مما لا يتعارض وفعل هذا الأخير... الخ ما يمكن أن نتشعب فيه من حيث نريد الانتقال إلى المتنبي، من العصر العباسي الثاني، كشاعر عبقري، هو، أيضا، كثرت شواهده، وموارده حد إغلاقه بالكثير من الصياغات النهائية لكثير من التجارب الإنسانية، بروح وثابة، وعقل متقد، مما أخمل سابقيه بهذا الصدد، وأجفل لاحقيه إلا فيما ندر. من حيث لا يمكن لأي شاعر أن يأتي، مخترقا، بجديد قوله من قصيدة عظيمة، مخاطبا، سيف الدولة، على وجه التنبيه:

                      وسوى الروم خلف ظهرك روم

                                                          فعلى أي جانبيك تميل( )

، أو من حيث عمله على إعادة صياغة قول ابن أبي زرعة:

                      أهل مجد لا يحفلون إذا نالوا

                                                          جسيما أن تنهك الأجسام( )

، وقول أبي تمام، من بعده، معا، على وجه الأخذ:

                      طلب المجد يورث النفس خبلا

                                                          وهموما تقضقض الحيزوما( )

بقوله، كصياغة نهائية:

                      وإذا كانت النفوس كبارا

                                                          تعبت في مرادها الأجسام( )

مما أخمل سابقيه، بتفوقه على وجه الصياغة النهائية، وإن احتذى، أو أخذ، أو ما شابه ذلك مما كان قد عده القدماء سرقة. وهو ما نفترق، وإياهم، بمصطلح إعادة الصياغة، الذي لا يتعارض والإبداع، كماهية من حيث أن الأصل في المسألة، برمتها، هو مرور الأشياء قبل تمثلها، إبداعا، بالذات الشخصية للشاعر. إذ أنه بمجرد مرورها يكون قد تغير كل شيء، وذلك بإنوجاد شيء مغاير، إن لم يكن مختلفا، على الأقل. نقول هذا دونما قصد منا إلى ممارسة نوع من "الحجاب"، أو "التجاهل" للسابق، من حيث أن لهذا الأخير الفضل على كل حال كابتداء، أو إضافة مهدت الطريق للصائغ الأخير من حيث لا يمكن لهذا الأخير ذلك إلا "بالجمع بين الفردية والتراث شقيقها التوأم" على حد جوته( ) التراث بـ"إنتاجة السابقين لا بمعنى الخصوبة الشخصية، وإنما بمعنى الثمرات التي حملتها حياتهم للأجيال المتعاقبة"( ). وهناك -بصدد المتنبي، بالذات، في مسألة الصياغة النهائية- ما يمكن أن نقف عنده على نحو أمثال الصياغات التالية التي تفرد بها هذا الشاعر العظيم لا ابتداء، ولا احتذاء، ولا آخذا، ولا افتراعا، في الآن نفسه، إذ لا يهمنا الآن هذه المسائل بقدر أهمية هذه النماذج التالية، التي من المؤكد أنها تندرج ضمن الصياغة النهائية من الدرجة الأولى، هذا على اعتبار أن له نماذج أخريات تدخل فيها، كصياغة من الدرجة الثانية والثالثة، يقول أبو الطيب المتنبي:

        إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا             ألا تفارقهم فالراحلون هم

        لكل امرئ من دهره ما تعودا              وعادة سيف الدولة الضرب في العدى

        إذا أنت أكرمت الكريم ملكته               وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

        إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه                     وصدق ما يعتاده من توهم

        وقد يتزيا بالهوى غير أهله                            ويستصحب الإنسان من لا يلائمه

        وكل امرئ يولي الجميل محبب                       وكل مكان ينبت العز طيب

        لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى                     حتى يراق على جوانبه الدم

        ومن العداوة ما ينالك نفعه                 ومن الصداقة ما يضر ويؤلم

        الظلم من شيم النفوس فإن تجد            ذا عفة فلعلة لا يظلم( )

نكتفي بالقليل، بهذا الصدد، من كثير لم يتحقق لمن كان قبل المتنبي وبعده من الشعراء، هكذا،  على وجه القوة والحيوية في امتداد الأزمنة، حتى جاء شوقي في عصر النهضة. قبل شوقي، الذي سنعود إليه بعد قليل، نضع الطغرائي عبر بيته الشهير، كنموذج من عصور الانحطاط، للصياغة النهائية، من حيث لم يتحقق لقوله ذلك ابتداء، بل تدرجا.

، إذ قال، من قبله، نافع بن لقيط، في المعنى نفسه، في العصر الإسلامي:

                      وإذا صدقت النفس لم تترك لها

                                                          أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب( )

معيدا، صياغة لبيد الأولية، الذي قال من قبله، ابتداء:

                      واكذب النفس إذا حدثتها

                                                          إن صدق النفس يزري بالأمل( )

، ليقول، فيما بعد، من بعدهما، الطغرائي:

                      أعلل النفس بالآمال أرقبها

                                                          ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل( )

كصياغة نهائية حيث أحسن وأجاد. الأمر الذي أخمل سابقيه بانتشاره في امتداد العصور.

وحتى يجيء شوقي في عصر النهضة، تكون قد مرت فترة من الشعراء، دونما جديد، ليجدد الشعر، بإسقاطه عصور الانحطاط، آخذا الحبل المتين الذي عجز الشعراء من بعد أبي العلاء المعري الإمساك به، فقد أفلت من حيث توقفت الأزمنة مستديرة، وساكنة، كالرحى على قطبها. وشوقي يتقلب في -مع تراخي- العصور، حتى ظهر، فأمسك الزمام، وأدار الرحى، معيدا، بتجاوزه لكثير من التجارب القديمة في عصور الفحولة والنجابة صياغتها: احتذاء، ومعارضة، استقداما واستدعاء، أخذا وسلخا.. حتى -وقد بلغ النضوج به، قدم براءة العبقرية، بإبرازه أكثر من صياغة نهائية، مما أصبح بها شوقي، قادرا، على الرحيل في الدماء: دما حيا متجددا، لا في ذمة التاريخ، بدليل الصياغات النهائية، له، التالية -دونما حاجة منا للتعقيب، على ذلك، تعليلا وتفسيرا:

وللحرية الحمراء باب                           بكل يد مضرجة يدق

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت                    فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

قم للمعلم وفه التبجيلا                 كاد المعلم أن يكون رسولا

وما نيل المطالب بالتمني            ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وطني لو شغلت بالخلد عنه         نازعتني إليه في الخلد نفسي( )

وقد سبق لنا التعرض بالنقد للبيت الرابع حيث احتذى: أخذا، وسلخا، قول دعبل الخزاعي والمتنبي معا... مما يمكن لنا موازنة البيت، الخامس لشوقي الذي يقول:

وطني لو شغلت بالخلد عنه     نازعتني إليه في الخلد نفسي( )

بقول أبي تمام الذي يقول:

                      نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

                                                          ما الحب إلا للحبيب الأول

                      كم منـزل في الأرض يألفه الفتى

                                                          وحنينه أبدا لأول منـزل( )

، وبقول ابن الرومي:

ولي وطن آليت ألا أبيعه                     وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا

وحبب أوطان الرجال إليهموا               مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهموا                عهود الصبى فيهافحنو لذالكا( )

من حيث نعطي الأولوية، كصياغة نهائية، لبيت شوقي، من حيث أنه يجمع ما تفرق لدى أبي تمام، وابن الرومي في المعنى نفسه في بيت واحد فقط، علاوة على أن جماليات البيت نفسه لا تقل أستاذية -على حد عبد القاهر الجرجاني عن أبيات الاثنين الأخيرين. علما أن الأبيات نفسها لأبي تمام، وابن الرومي تعد من النماذج على الصياغة النهائية لهما في تجربتيهما، بدليل رحيلها في امتداد، امتدادا، العصور.

          وبالنسبة للزمن المعاصر، فإن خير ما وجدنا، كنموذج للصياغة النهائية، من الدرجة الأولى، هو قول عبد العزيز المقالح:

                      مات (الوشاح) فراعنا

                                              في كل منعطف وشاح( )

بدليل جدة المعنى إذ لم نلق له مثيل، كمرجعية عند كل الشعراء الذين واجهونا، وواجهناهم بحثا، ودرسا، واستقصاء، ورصدا..

هذا وبالنسبة لغير هؤلاء الشعراء، هناك الكثير من الشعراء الذين كانوا قد ظهروا عبر العصور، واشتهروا في بلدانهم دون البلدان الأخرى، لاعتبارات كثيرة ومتعددة، بغير مفهوم مصطلح المركز والمحيط الشعريين الذي كان قد نظر له محمد بنيس عبر أطروحته الشهيرة، لا نستطيع فهم المسألة والإشكالات (إشكالاتها) برمتها. هؤلاء الشعراء لم نستشهد بهم، من حيث لا حاجة بنا إلى ذلك، مادمنا في مرحلة النمذجة عبر مَنْ مِنْ الشعراء لهم سلطة المركز فحسب. في الوقت نفسه الذي فيه من الممكن استقصاء ذلك، ورصده عند أي شاعر من الدرجة الأولى، أو من الثانية، أو من الثالثة... مادام ثمة إنجازات لهم، ولو بمقياس القلة والكثرة -حسب الشعرية العربية القديمة، من حيث أن كل ما يكتبه الشعراء عبر العصور كبارا، كانوا، أو صغارا، بمهم، على الصعيد الإنساني، إن لم يكن بمهم -وهو الحقيقة- على الصعيد الإبداعي. هذا وبالنسبة لإعادة الصياغة، والصياغة الأولية كدرجة -على التوالي- ثانية، وثالثة من الصياغة النهائية في درجتها الأولى، سنكتفي -مادمنا وقد أفاض بنا الحديث إليهما أثناء تحليلنا للصياغة النهائية من الدرجة الأولى- بما سيجده القارئ، مقدما، عبر الجدولين الخاصين بهما، ضمن الجداول التوضيحية الأخرى، مع الإحالات التابعة لهما اختصارا للوقت، وتفاديا للتكرار، فيما لا طائل وراءه.









  ) أحمد شوقي، الشوقيات، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط: 10، 1984، الجزء الأول، ص: 71.

  ) شرح ديوان أبي الطيب المتنبي، أبو العلاء المعري "معجز أحمد"، تحقيق: عبد المجيد دياب، (م.س)، ص: 513.

  )  ديوان دعبل بن علي الخزاعي، تحقيق عبد الصاحب الدجيلي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط:2، 1992، ص: 292.

  )  نفسه، ص: 239.

  )  طودوروف، الشعرية، ترجمة: شكري المبخوص ورجاء بن سلامة، دار توبقال، البيضاء، ط:2، 1990م، ص: 41.

  )  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط:1، 2000، ص: 428-431.

  ) نفسه، ص: 440-441.

  )  نفسه، ص: 436.

  )  نفسه، ص: 436.

  )  ماكليش، الشعر والتجربة، ترجمة سلمى الجيوسي، (م.س)، ص: 16.

  ) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق ياسين الأيوبي، (م.س)، ص: 437-440.

  )  القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، بيروت، ص: 183.

  )  نفسه، ص: 185.

  ) نفسه، ص: 186.

  ) نفسه، ص: 188.

  ) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق ياسين الأيوبي، (م.س)، ص: 442-458.

  ) نفسه، ص: 442.

  ) نفسه، ص: 442.

  ) نفسه، ص: 442.

  ) نفسه، ص: 458.

  ) نفسه، ص: 458.

  ) نفسه، ص: 458.

  ) انظر القاضي الجرجاني، الوساطة، (م.س)، ص: 193-194.

  ) نفسه، ص: 193-194.

  ) نفسه، ص: 193-194.

  ) نفسه، ص: 193-194.

  ) أنظر محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، دار التنوير، بيروت، ط:2، 1985، ص: 253 (بشأن النص الغائب، وعلاقته بما نحن بصدده).

  )  أنظر القاضي الجرجاني، الوساطة، (م.س)، ص: 206.

  )  ديوان الشريف الرضي، دار صادر، بيروت، ط بدون، سنة بدون، الجزء 2، ص: 57.

  ) القاضي الجرجاني، الوساطة، (م.س)، ص: 343.

  )  نفسه، ص: 343.

  ) ديوان دعبل، تحقيق عبد الصاحب الدجيلي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط:2، 1972، ص: 163.

  ) ديوان المتنبي، دار الجيل، بيروت، ط (بدون)، سنة (بدون)، ص: 394.

  ) ديوان عنترة بن شداد، دار كرم، دمشق، ط بدون، ص: 13-14.

  ) ديوان المتنبي، دار الجيل، بيروت، (م.س)، ص: 189.

  )  ديوان الشريف الرضي، دار صادر، بيروت، ص: 58.

  )  الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر، تحقيق فخر الدين قباوه، دار الآفاق، بيروت، ط:4، 1980، ص: 137.

  ) ديوان الشريف الرضي، دار صادر، بيروت، ط (بدون)، سنة (بدون)، الجزء 2، ص: 406.

  )  أبو العلاء المعري، سقط الزند، شرح وتعليق الدكتور ن.رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت، ص: 111.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق